وهذا صريح كلامه: ''فهذا الجزم والقطع لا ينبغي إلا لنبي جاءه الوحي من عند الله بمثل هذا النبأ، أو رجل اجتمع عنده من الأدلة والبراهين الحسية والعقلية ما يكفي للجزم والقطع، وهذه أمور معلومة عند عقلاء البشر'' [1] .
وقد أجاب الرجل حين قلت له: (وليس فيه استحالة صحة رواية عبيد لله بل يحتمل صحته) بقوله:
''لا يجدي عنه فتيلا؛ فإن المتكلمين المبتدعين الذين قلدهم في مثل هذا التعبير لا يرون استحالة الكذب في كل ما يثبت عن رسول الله مما لم يتواتر ولو كان في الصحيحين لأنها عندهم أخبار آحاد لا تفيد العلم وإنما تفيد الظن، وما كان كذلك يحتمل الكذب، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يظنون، وهم سفسطوا وتفلسفوا لإقناع الرعاع بهذيانهم المخبول فإن أنصار سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبابه حقا لا ادعاء لا ينظرون إلى هذا الهذيان وما شاكله من أنواع الضلال إلا بعين الاحتقار والازدراء ويرون أن كل حديث جاء عن طريق الثقات العدول بشروطه المعروفة عند المحدثين يفيد العلم والعمل ويؤمنون به في باب الاعتقاد ويطبقون في مجال العمل وإن رغمت أنوف أصحاب الكلام والجدل''اهـ.
أقول: ما تعليق الأستاذ على هذا التناقض العجيب والتلون الغريب؛ إذ يعلن في موطن بحصر إفادة اليقين في الحالين دون غيرهما، ويأتي إلى موضع آخر ليعلن بأن الخبر الذي جاء عن طريق الثقات العدول بشروطه المعروفة عند المحدثين يفيد العلم وإن رغمت أنوف أصحاب الكلام والجدل؟!
ووجه التناقض أنه ينكر في النهي الأول إفادة خبر الآحاد القطع والجزم إلا ما جاء به الوحي أو ما اجتمعت فيه من الأدلة والبراهين الحسية والعقلية ما يكفي للجزم والقطع، واعتبر أصحاب الكلام والجدل عقلاء البشر، وأعلن أنها أمور معلومة عندهم. بينما يفيد في النص الثاني بأن خبر الآحاد يفيد العلم بشروطه المعروفة عند المحدثين، حتى وإن لم يستوف من الأدلة والبراهين الحسية والعقلية ما يكفي للجزم والقطع، وإن رغمت أنوف أصحاب الكلام والجدل. [2]
الأستاذ مع الدليل الرابع
لقد علق الأستاذ على الدليل الرابع [3] بما يأتي:
'' جوابها (يعني الفقرة التي تضمنت الدليل الرابع) أن البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان لم يشترطوا استيعاب شيوخ وتلاميذ من يترجمون لهم، وكم تركوا منهم وفي الوقت نفسه لم ينفوا سماع إبراهيم بن عبد الله من
(1) - أليس في كلامه هذا مدح لأهل الكلام؟!
(2) - هذا ويعرف الجميع قصة هذا الرجل مع أخينا الفاضل الداعية أبي الحسن المأربي - حفظه الله ورعاه - وإيذائه بأبشع العبارات بسبب قوله: إن خبر الآحاد يفيد العلم إذا احتفت به القرائن.
(3) - والدليل الرابع هو أن ابن أبي حاتم وابن حبان، وقبلهما الإمام البخاري، لم يذكروا لإبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس رواية عن ابن عباس. ولو ثبت عندهم ''عن ابن عباس'' في رواية الليث وابن جريج لذكروا لإبراهيم رواية عنه. بل ذكر ابن أبي حاتم والإمام البخاري روايته عن ميمونة، بينما ذكر ابن حبان روايته عن أبيه. وإبراهيم هذا قليل الرواية، وفيما يبدو أن إبراهيم هذا لم يعرف له إلا روايتان، رواية عن أبيه، ورواية عن ميمونة.