الصفحة 109 من 454

ابن عباس ولو نفوه وأثبته غيرهم من الأئمة لقدم الإثبات؛ لأن المثبت مقدم؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ.

ثم هل علمت أن ابن حبان صرح بنفي سماع إبراهيم من ميمونة، وكذلك مغلطاي، وقد ذكر المزي والحافظ ابن حجر إبراهيم في الرواة عن ابن عباس، ولو اتبع الناس منهجك هذا لأنكروا سماع أكثر رواة الصحيحين بمثل حجتك هذه، فإذا لم يجد المغرض سماع شخص من شيخه في (تاريخ البخاري) و (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم أنكر سماع ذلك الراوي عن شيخه بناء على حجتك هذه، وهل تقصد بمواقفك هذه فتح أبواب الفتن على مصراعيها على كتب السنة وكتب الرجال التي يقوم عليها الإسلام. (منهج مسلم ص: 121 - 122)

الردود والتعقيبات

قلت: في تعقيبه أمور:

الأمر الأول: عادة البخاري في تاريخه الكبير - إذا كان الراوي المترجم له نادر الرواية، مثل إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس - أن يستوعب ذكر من روى عنه، قد يكون واحدا أو اثنين أوثلاثة. أما إذا كان كثير الرواية فيقتصر على ذكر بعض الشيوخ والتلاميذ. هذا ما تبين لي من خلال استقرائي لكتاب التاريخ الكبير أيام تحضيري لرسالة الدكتوراه.

الأمر الثاني: تقديم المثبت على النافي، وإن كان هذا مسلما كقاعدة أصولية فإن تطبيقها يحتاج إلى خلفية علمية حول طبيعة المسألة التي تطبق فيها القاعدة، وهنا يتميز العالم من المتعالم المقدام.

فإذا أراد الباحث تطبيق هذه القاعدة الأصولية في الحديث الذي اختلف فيه المزي مع النقاد في ذكر ابن عباس يتعين عليه قبل التطبيق النظر في المثبت وطبيعة إثباته، وفي النافي وملابسات نفيه، والمقارنة بينهما لمعرفة مدى تساويهما في العلم والمنهج والأصالة. وإلا سيؤدي ذلك إلى قلب الأمور رأسا على عقب.

ومن الجدير بالذكر أن تطبيق القاعدة لن يكون منهجيا إلا إذا لم يتبين من خلال القرائن أن النافي يتميز بمزيد علم بما نفاه. ومن هنا تتجلى مصداقية قولهم إن كل قاعدة لها استثناءات.

وعلى كل فإذا كان الأستاذ يرى تقديم المثبت على النافي ويرجح قول الحافظ المزي، فإننا نرى قاعدة تقديم الجارح على المعدل فيه أولى بالتطبيق، إذ الناقد الذي ضعف الحديث الذي فيه ذكر ابن عباس يصبح جارحا، والذي يصححه يكون في مثابة المعدل، فعلى القاعدة الأصولية يقدم التعليل على التصحيح، وذلك نظرا لكون الناقد مطلعا على ما لم يطلع عليه المصحح، إذ جل اعتماد هذا المصحح على الظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت