هذا وإن تلك القاعدة الأصولية - مع وجود خلاف فيها - إنما محلها عند التعارض بين الأطراف المتساوية علما ومنهجا وأصالة، أما التعارض بين المتقدمين والمتأخرين في مجال التصحيح والتعليل أو الجرح والتعديل فلن يكون مجالا لهذه القاعدة فإن النقاد مقدمون في كل الأحوال. [1]
وإذا كان الحافظ المزي قد أثبت ذكر ابن عباس بناء على ظاهر الأمور التي شرحها، فإن النقاد أعلوا ذلك بناء على الحفظ والفهم والمعرفة، وبالتالي فلا مقارنة بينه وبينهم حتى تطبق القاعدة، لا سيما في الوقت الذي تبين فيه أن ذكر ابن عباس تصحيف من النساخ كما شرحنا سابقا.
(1) - قال الحافظ ابن حجر: '' ... فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث''.
أما صاحبنا فيقول: لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة حتى البخاري لما تجاوزوا النتائج التي وصلت إليها، ... وبهذا أخذوا وردوا.
وقال السخاوي في نوع (الموضوع) :
''ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرا جدا، وللنظر فيه مجال، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي ولم يجىء بعدهم مساو لهم ولا مقارب أفاده العلائي، وقال: فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح'' اهـ
وقال الحافظ ابن كثير: ''أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصفوا بالإنصاف والديانة، والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكا أو كذابا، أو نحو ذلك. فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في مواقفهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم''.