''ولا يظهر وجه لترجيح البخاري والدارقطني وعياض لرواية الليث وابن جريج على رواية عبيدالله وأيوب وعبدالله بن عمر وموسى الجهني، فالصواب أن كلا الوجهين صحيح، ومع هذا فإن رواية عبيدالله ومن معه أصح في نظري .... '' [1]
أ ليس في هذا الكلام شيء من المكابرة والعناد والجرأة على علوم الحديث؟!
كيف يكون الحديث الذي أعله النقاد أصح من الحديث الذي لم يختلف في صحته أحد منهم؟!!
وحديث أبي هريرة متفق عليه، ولم يختلف في صحته أحد من النقاد، بل هو أصح ما عند الإمام مسلم في هذا الباب، إذ صدره به. وأما حديث ابن عمر فمعلول من قبل النقاد، ومع ذلك انفرد مسلم بإخراجه دون البخاري [2] .
ومن المعلوم أن الحديث المتفق عليه يكون أصح مما انفرد به أحدهما، إذا لم يتميز ما انفرد به أحدهما بالخصائص الإسنادية التي تجعل الحديث أسلم من العيوب؛ كالشهرة والعلوّ وغيرهما [3] .
وعلى كل فإن الشيخ قد اعتمد في تصحيح حديث ابن عمر، وتقديمه على حديث أبي هريرة وميمونة على أمور تتصل بأحوال الرواة ومراتبهم في سلم الجرح والتعديل، بل أصبح مغرورا به؛ حين قال:
''ولا يستطيع عاقل بعد إدراكه كل هذه المرتكزات القوية أن يقول إن أسانيدها كلها منتقدة معللة، وإن مسلما أوردها لبيان عللها وإيضاحها'' [4] .
إن المرتكزات التي اغتر بها الأستاذ، هي في الواقع مما يعرفه جميع من يقرأ كتب التراجم، وليس فيها شيء جديد يستدرك به على النقاد. وتتمثل هذه الأمور التي اكتشفها الأستاذ بنظره الطويل في تعدد الطرق ومراتب رواتها في سلم الجرح والتعديل.
ولا شك أن هذه الحيثيات العلمية التي تتمثل في تعدد الطرق وخصائص الرواة ورتبهم العلمية في سلم الجرح والتعديل تشكل قرينة تعتمد في الترجيح فقط إذا لم تتوافر قرائن علمية أخرى قوية تدل على خلاف الظاهر.
غير أن الأستاذ اعتبر تلك الحيثيات التي يشترك في معرفتها الأستاذ والطالب قرينة مطردة للتصحيح والترجيح، حتى إنه يرد بها قول النقاد إذا كان بخلاف مقتضى الحيثيات. فهذا في الواقع ليس منهجا سليما، بل نوع من التفكير الغوغائي الذي يروج في أوساط الباحثين الجدد، ويزاحمون به صفوف النقاد القدامى، قائلين:''كم ترك الأول للآخر''، و''هم رجال ونحن رجال''، و''هم بشر يخطئون ويصيبون'' و''أن منهجهم من صنع البشر''.
(1) - ص 57 من رد الأستاذ الأول.
(2) - سترى الأستاذ يتلون: يقول مرة: الحديث المتفق عليه أصح من الحديث الذي انفرد به مسلم، بينما يقول هنا وفي مواضع أخرى عكس ذلك!
(3) - انظر النكت 1/ 365 - 366
(4) - ماذا يريد الأستاذ من أمثالنا: أن نقلده فيما يقول، ونرفض ما يقوله النقاد؟!