وعلى كل فقد رأينا الشيخ قد رجح رواية عبيد الله وموسى الجهني عن نافع عن ابن عمر، قائلا: إن رواية عبيد الله لها مزايا كثيرة، ولها متابعات خمسة، ثلاثة منها رواتها ثقات، واثنتان ضعيفتان تصلحان للاعتبار، وهذه المزايا لا توجد في رواية الليث وابن جريج، حتى وصل إلى نتيجة غريبة.
يقول: في ص 57 من رده الأول:
''فالصواب أن كلا الوجهين صحيح، ومع هذا فإن رواية عبيد الله ومن معه أصح في نظري''.
أقول: هذا أسلوب غير معروف عند المحدثين، بل يشكل ذلك نقطة تباين واضحة بينه وبين النقاد الأوائل.
ونحن لم نجد حتى الآن في جعبته - وقد ألف الرجل في مجال الحوار الذي جرى بيني وبينه ثلاثة مؤلفات، اثنان منها مطبوعان - إلا ما يتعلق بأحوال الرواة التي مصدرها كتب التراجم، وقاعدة تعدد الطرق يقوي بعضها بعضا، وبها كان يصول ويجول في كتبه.
أما فقه الروايات وفقه القرائن التي تحيط بكل منها، فلا أثر لهما في بحوث الأستاذ وحواره. لذا نراه هنا يطلق القول بصحة الروايتين، بل يعتبر حديث ابن عمر أصح الأحاديث التي أوردها مسلم في موضوع فضل الصلاة في المسجد النبوي. وهذا الإطلاق لا يتأتى حقيقة إلا بعد معرفة القرائن التي تدل على ثبوت جميع وجوه الاختلاف، وليس على التجويز العقلي والاحتمال المجرد.
يقول المعلمي [1] : ''أئمة الحديث قد يتبين لهم في حديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنه ضعيف، وفي حديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنه صحيح، والواجب على من دونهم التسليم لهم''.
والجدير بالذكر أن وجوه الترجيح وقرائنه وملابساته كثيرة لا تنحصر فيما ذكره الأستاذ من بعض ظواهر الأمور. وللمحدثين النقاد منهج في غاية من الدقة في فهم القرائن وتطبيقها في الترجيح والتصحيح والتعليل، وذلك بناء على طول ممارستهم للأحاديث، وسعة حفظهم لها، ودقة فهمهم لأحوال رواتها، وطبيعة رواياتهم لها.
إذا تتبعنا نصوص النقاد وطريقة ترجيحهم للأحاديث وجدناهم يصححون أحيانا حديث الثقة ويعلون في مقابله ما رواه الأوثق منه، أو ما رواه الأكثر عددا، الأمر الذي يدل على أنهم يدورون في الترجيح حول القرائن والملابسات التي قد تكون عامة وقد تكون خاصة لا يحس بها إلا النقاد.
وعلى كل فما صدر عنهم من الأحكام ينبغي لنا قبوله حتى وإن كانت خلاف الظاهر، وقد سبق عن الأئمة المحققين من المتأخرين ما يدل على ذلك. وليس من الضرورة أن يكون ذلك مقبولا عند غيرهم، فإن كثيرا من العوام لا يلتفتون إلا إلى الظواهر ومراتب الرواة العامة، [2] ونقاد الحديث كصيارفة الدنانير والدراهم يعولون أساسا على معرفتهم وتجاربهم وذوقهم الحديثي.
(1) - التنكيل 2/ 32 للشيخ العلامة عبدالرحمن المعلمي.
(2) - كما لا حظنا ذلك في كتابات الأستاذ