''لو كان راوي طريق نافع عن ابن عمر واحدا فقط لقلنا أنه سلك الجادة، أما والرواة جماعة اتفقت كلمتهم على ذلك، ولهم ما لهم من المزايا لا سيما عبيد الله فلا يتأتى القول بأنهم سلكوا الجادة، إلا إذا كان القائل يريد المكابرة والعناد، فهذا أسلوب غير علمي، ولا يتصور من عاقل فضلا عن محدث أن يقبله، ولو درس أبو حاتم أو غيره من الأئمة، حتى البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا في نظري النتائج التي وصلت إليها، لأني بحمدالله طبقت قواعد المحدثين بكل دقة ولم آل في ذلك جهدا''.اهـ [1]
قلت: إذا كان الأستاذ يعد الباحث الذي يؤيد آراء النقاد بما يطابق منهجهم، ويحاول أن يجد لها محامل صحيحة، معاندا ومكابرا فمعنى ذلك أن معايير القيم والأخلاق عنده قد اختلت.
ثم من الذي وضع ذلك الشرط الذي قال به الأستاذ في سلوك الجادة؟!
الواقع أنه ليس هناك شرط لسلوك الجادة أن يكون الراوي الذي سلكه واحدا.
انظر إلى الإمام الدارقطني ماذا يقول:
''وسلك الجادة قوم منهم يزيد بن هارون''. [2]
وقال الحافظ:
''وإذا تقرر ذلك فالأكثر قالوا فيه عن أبي هريرة فكان ينبغي ترجيحهم، ويؤيده أن الراوي إذا حدث في بلده كان أتقن لما يحدث به في حال سفره، ولكن عارض ذلك أن سعيدا المقبري مشهور بالرواية عن أبي هريرة، فمن قال عنه عن أبي هريرة سلك الجادة، فكانت مع من قال عنه عن أبي شريح زيادة علم ليست عند الآخرين'' [3] .
ووصف الحافظ من روى عن سعيد عن أبي هريرة بأنهم قد سلكوا الجادة مع كثرة عددهم.
وقال أيضا:
''ورواه سفيان بن عيينة ومعتمر بن سليمان ومحمد بن عبيد عن عبيد الله بن عمر بإسقاطه وكأنهم سلكوا الجادة، لأن عبيد الله بن عمر معروف بالرواية عن نافع مكثر عنه والعمدة على من زاد (عمر بن نافع) بينهما، لأنهم حفاظ، ولا سيما فيهم من سمع عن نافع نفسه كابن جريج'' [4]
اعتبر الحافظ هنا رواية الجماعة سلوكا للجادة.
وهذا مثال آخر يقول الحافظ:
''وسلك برد بن سنان وهشام بن الغاز الجادة، فقالا عن نافع عن ابن عمر'' [5]
(1) - ص: 58 من رده الأول
(2) - نقله الحافظ في الفتح 9/ 632. وهذا دليل على أن الحافظ قد أقر ما قاله الدارقطني.
(3) - فتح الباري 10/ 444، بالمناسبة إن قول الحافظ ابن حجر، - ولله دره - يلفت انتباهنا إلى نوعية القرائن الخاصة التي يعتمدها النقاد، ويقوى شعورهم بها حتى يرجحوا الروايات في ضوء ذلك.
(4) - المصدر السابق 10/ 364
(5) - المصدر السابق 10/ 96