ثالثا: أن يحيى القطان لم يخطئ شعبة بناء على القرينة التي يدندن المليباري حولها، وإنما خطأه بشيء سمعه بأذنيه وأبصرته عيناه ووعاه قلبه من سفيان الذي هو أحفظ من شعبة فظهر الفرق بين الأمرين [1] .
وظهر أن المليباري بمجرد أن رأى أن المحدثين قد يرجحون بهذه القرينة، فظن أنها تصلح في كل مقام فاستروح إليها، وهول بها، وصال بها وجال ظانا أن هذا من مجالاتها. وخفي عليه: أن لكل مقام مقالا ولكل ميدان رجالا. اهـ [2]
أقول: إن هذا التعليق يكفي لذر الرماد في عيون القراء. وفي الواقع أنه لا فرق بين تخطئة يحيى لشعبة وتخطئة النقاد لرواة حديث ابن عمر، وأن القول باحتمال صحة الوجهين فيهما استرواح؛ إذ كل قول يبنى على مجرد الاحتمال من غير أن يستند إلى دليل فهو استرواح.
إذا كان يحيى قد خَطَّأَ رواية شعبة بعد أن تبين له الصواب من خلال القرائن التي تتوقف معرفتها على الحفظ والمعرفة والفهم، فإن النقاد أيضا قد خطؤوا رواية عبيد الله وغيره عن نافع عن ابن عمر بعد أن تبين لهم الصواب في رواية الليث وابن جريج عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة. وبالتالي يكون القول باحتمال صحة الوجهين دون أن يأتي بدليل يدل على أن أبا إسحاق أو نافعا قد حدث به على الوجهين، استرواحا.
إن قول الحافظ: ''ولا يتأتى ليحيى أن يحكم على شعبة بالخطأ إلا بعد أن يتيقن الصواب في غير روايته'' واضح في كونه لم يربط المسألة بأن سفيان أحفظ من شعبة، بل أطلق قوله '' بعد أن يتيقن الصواب في غير روايته''.
وفيما يبدو لي أن يحيى تبين له الصواب في رواية سفيان من عدة قرائن؛ وهي أن سفيان أحفظ، وأنه لم يرو عن أبي إسحاق ذلك الحديث على الوجهين جميعا، وكذلك لم يرو شعبة عنه على الوجهين، ولو حدث أبو إسحاق على الوجهين لأتيا بهما جميعا، لا سيما أحفظهم، وهو سفيان، ثم إن ما ذكره شعبة يعد سلوكا للجادة لأن رواية الحارث عن علي أكثر شهرة من روايته عن ابن مسعود. وهذه هي القرائن التي يدندن حولها المليباري في مثل هذه المناسبات فقط، وليس في كل حديث، فإن لكل حديث قرينة خاصة كما صرح بذلك المحققون من المتأخرين.
ثم إن يحيى خطَّأ رواية شعبة مع كونه أثبت، ولم يستروح إلى احتمال صحة روايته أيضا، وهذا بخلاف عمل الأستاذ الذي استروح إلى القول بصحة الروايتين، دون دليل يثبت ذلك، وإنما لكون الرواة ثقات، وبعضهم أئمة، وهذا مجرد احتمال يخطر بالبال كلما يكون الإنسان بعيدا عن العلم والمعرفة.
ومما ينبغي لفت الانتباه إليه أن البخاري والنسائي والدارقطني كلهم يعتمدون في النقد والتخطئة والتصويب على ما سمعوا بآذانهم من شيوخهم وأبصرته عيونهم ووعته قلوبهم. كما قال الأستاذ في حق يحيى. وبالتالي لا يوجد فرق بين المثالين إلا ما افتعله الأستاذ.
(1) - ليس لمجرد كون سفيان أحفظ، كلا، وإنما لقرائن أخرى سيأتي ذكرها. وشعبة لا يستهان به لكونه أثبت. ومن المعلوم أن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق.
(2) - منهج مسلم، ص: 162 - 163