الصفحة 132 من 454

ولو كان يحيى قد سمع من أبي إسحاق الذي هو مصدر الحديث مباشرة، وتيقين أن ما سمعه هو الصواب، ثم رد كل من خالفه لقلنا بالفرق بينهما من حيث العلم واليقين. لكن يحيى سمع من سفيان تلميذ أبي إسحاق، وشعبة أيضا تلميذه. ولا يتبين ليحيى الصواب في رواية سفيان إلا باعتماده على القرائن والأدلة، وليس بمجرد كون سفيان أحفظ.

وأما قول الأستاذ الأخير: ''وظهر أن المليباري بمجرد أن رأى أن المحدثين قد يرجحون بهذه القرينة، فظن أنها تصلح في كل مقام فاستروح إليها، وهول بها، وصال بها وجال ظانا أن هذا من مجالاتها. وخفي عليه: أن لكل مقام مقالا ولكل ميدان رجالا.''. فأقول: لماذا لا يشعر بذلك في عمله؟! لأنه هو الذي جعل القرائن كلها منحصرة في أحوال الرواة، ثم جال بها وصال ليرد بها تعليل النقاد.

نعم، هذا مما يؤكد أن لكل مقام مقالا، ولكل ميدان رجالا.

مغالطة الأستاذ في تكثير الروايات والمتابعات

أما الجماعة الذين زعم الشيخ أنهم اتفقوا في الكلمة فهم عبيد الله وموسى الجهني وأيوب وعبد الله بن عمر العمري وعبد الله بن نافع كلهم رووا ذلك الحديث عن نافع عن ابن عمر، كما أن عطاء رواه عن ابن عمر أيضا.

أقول: هذا تعدد في الظاهر، لكن النقاد لم يأخذوه بعين الاعتبار، حين رجحوا رواية الليث وابن جريج. وذلك لما يأتي:

أولا: رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر، قال فيها الإمام الدارقطني: ''غير محفوظ عن أيوب''. لذا، لا يمكن اعتبارها متابعة؛ إذ معنى هذا التعقيب أن أحد الرواة وهم حين أضاف الحديث إلى أيوب بهذا السند. كما سيأتي النقاش حوله في المحور الرابع (إن شاء الله تعالى) .

ثانيا: رواية عبد الله بن عمر العمري، وعبد الله هذا ضعيف، عده الإمام علي بن المديني والنسائي في طبقات الضعفاء من أصحاب نافع، لكثرة أخطائه فيما يرويه عن نافع، إذن كيف تعطي روايته عن نافع به قوة لرواية عبيد الله بن عمر. لا سيما وقد دلت القرينة على أن من روى حديث فضل الصلاة في المسجد النبوي عن نافع عن ابن عمر قد سلك الجادة. [1]

(1) - أذكر هنا مثالا مما ذكره الأستاذ في هامش كتاب النكت الذي حققه (1/ 247) . وهذا نصه:''قال البخاري في تاريخه الكبير 2/ 54 - في ترجمة أسماء بن الحكم الفزاري راوي هذا الحديث (حديث الاستحلاف) عن علي: لم يرو عنه إلا هذا الحديث، وحديثا آخر لم يتابع عليه. وقد روى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم عن بعض فلم يحلف بعضهم بعضا.

قال الحافظ: '' قال المزي: هذا لا يقدح في صحة الحديث لأن وجود المتابعة ليس شرطا في صحة كل حديث. على أن له متابعا .. وذكر له متابعات. قلت: - أي الحافظ: والمتابعات التي ذكرها لا تشد هذا الحديث شيئا لأنها ضعيفة جدا، وقال البزار: أسماء مجهول. وقال موسى بن هارون: ليس بمجهول، لأنه روى عنه علي بن ربيعة والركين (بمهملتين) ابن الربيع ... وهذا الحديث جيد الإسناد، وتبع العقيلي البخاري في إنكار الاستحلاف، فقال قد سمع علي من عمر فلم يستحلفه''.

أرأيت الحافظ ابن حجر يدافع عن البخاري، ويرد على المزي بقوله: '' والمتابعات التي ذكرها لا تشد هذا الحديث شيئا لأنها ضعيفة جدا''.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت