الصفحة 138 من 454

''ولا يظهر وجه لترجيح البخاري والدارقطني وعياض لرواية الليث وابن جريج على رواية عبيدالله وأيوب وعبدالله بن عمر وموسى الجهني، فالصواب أن كلا الوجهين صحيح، ومع هذا فإن رواية عبيدالله ومن معه أصح في نظري ... '' [1]

والأستاذ كان يقر في رده الأول بأن البخاري والدارقطني والنسائي وعياض ضعفوا حديث ابن عمر بعد أن جال وصال بالفكرة نفسها في كتابه (بين الإمامين) ، ثم فجأة أخذ ينكر ذلك الذي أقره، إذن فهو متناقض مع نفسه.

هذه الطريقة التي سلكها الأستاذ في دراسة نصوص الإمام البخاري والروايات التي أوردها في التاريخ لا تحتاج إلى تخصص في مجال الحديث، وإذا كان عند الباحث كتاب التقريب للحافظ ابن حجر أصبح قادرا على نقد كبار الأئمة، والاعتراض عليهم في الأحكام التي تخالف ظاهر السند!

و لم نر الأستاذ في هذا المجال الحديثي إلا وهو يدور حول ظواهر الأسانيد، حتى إن نظره في ترجمة الرواة كان سطحيا ومستعجلا. لذا، ضعف حديث عبد الله بن صالح بحجة أن عبد الله ضعيف.

إن دراسة الأسانيد تتوقف على جمع الروايات لتكون منهجية ومؤسسة، وإلا فإن دراسة الباحث لا توصل إلا إلى قلب الحقائق وخلطها.

لقد درس الأستاذ الأسانيد التي أوردها الإمام البخاري في تاريخه الكبير كل على حدة، دون أن ينظر في متابعاتها ولا في ملابساتها ولا في قرائنها، زاعما أن حيثيات البخاري في الحكم هي ما ذكره في التاريخ الكبير، ثم تجاسر الأستاذ على إعلانه أن البخاري قد فاته حديث الآخرين عن الليث. وما أرخص هذا الأسلوب! يجعل مجرد السكوت دليلا على الجهل أو النسيان!!

إن الراوي إذا وافق غيره من الرواة الثقات فيما رووه، فذلك دليل على ضبطه لذلك الحديث، حتى وإن كان ضعيفا، وما فائدة الشغب إذن بقوله ''إن الراوي ضعيف، وقد خالفه ثقتان ثبتان''، دون أن يأخذ بعين الاعتبار ما يوافقه من روايات الثقات؟!.

أما إذا خالفه غيره أو انفرد بالحديث أو بزيادة شيء فيه فيضر ذلك الحديث إذا دلت القرائن على أن مخالفته أو تفرده كان نتيجة وهم أو نسيان. ومن المعلوم أن القرائن لا تكون منضبطة بقواعد محددة، ولا يمكن استيعابها من كتب التراجم، بل يتوقف فقهها على ممارسة الأحاديث مع الحفظ والفهم والمعرفة، كما قال الحاكم: الحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير.

ومعرفة التفرد والمخالفة لا تكون إلا بعد تخريج الحديث وجمع طرقه وتحديد مداره والمقارنة بينها.

لقد تبين لنا من خلال التخريج والجمع أن عبد الله بن صالح لم ينفرد بالحديث عن الليث، بل وافقه غيره من أصحابه، ومع ذلك فإن عبد الله ثبت في كتابه، وثقة إذا روى منه، وإن كانت فيه غفلة، مما جعل الحافظ يلخص حاله في التقريب بقوله: (صدوق يخطئ) .

(1) - ص 57 من رده الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت