وسبب الغفلة أن له جارا كان يضع الحديث ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله ويرميه في داره، فيتوهم عبد الله أنه خطه فيحدث به. وعليه فما وافق فيه غيرَه يكون صحيحا، ويدل على ضبطه لذلك الحديث. وبالتالي تكون إثارة أقوال بعض العلماء في تضعيفه، دون مراعاة القرائن التي تحيط بما رواه من حديث، عديمة الجدوى في هذه المناسبة.
وعلى كل فهو كما قال الحافظ في الهدي - بعد أن سرد أقوال العلماء فيه:
'' ظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن حديثه في الأول كان مستقيما، ثم طرأ عليه فيه تخليط، فمقتضى ذلك أن ما يجيء من روايته عن أهل الحذق، كيحيى بن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم فهو من صحيح حديثه، وما يجيء من رواية الشيوخ عنه فيتوقف فيه''اهـ [1] .
وعلى هذا فإن رواية البخاري عن عبد الله بن صالح تكون صحيحة، وليس كما أطلق الشيخ بضعفها، لا سيما وقد ذكر البخاري هذا الحديث على سبيل الاحتجاج به على أن إبراهيم له رواية عن ميمونة، ولا يأتي البخاري في سبيل الاحتجاج بشيء غريب لا يعرفه إلا من وجه واحد.
قوله: ''وقد خالفه ثقتان ثبتان، وهما قتيبة وابن رمح''.
أقول: قد مضى بيان حقيقة رواية الليث عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة، وأعيد هنا أن الروايات عن الليث- منها رواية قتيبة وابن رمح - متفقة على إسقاط (ابن عباس) راويا عن ميمونة، وليس بينها اختلاف على الليث فيه، وإنما وجدنا الاختلاف بين نساخ صحيح مسلم، كما سبق بيانه وبسطه في المحور الثاني.
لذلك ينبغي على الأستاذ أن يثبت أولا أن هناك اختلافا على الليث، نقلا عن إمام من الأئمة النقدة، لا بالخلط بين اختلاف النسخ وبين اختلاف الرواة، ولا بناء على ما وقع في بعض النسخ من صحيح مسلم من تصحيف، ثم يأتي هنا ويدعي أن عبد الله ضعيف خالفه ثقتان ثبتان، وهما قتيبة وابن رمح، وأين المخالفة بينه وبين قتيبة وابن رمح؟!
ولماذا سكت الأستاذ عما يعرفه من الروايات المتفقة مع عبد الله بن صالح؟!
ولماذا ركز على إبراز المخالفة بين ثقتين ثبتين وبين راو ضعيف، دون ذكر من تابعه من الثقات، او دون ذكر من مدح عبد الله بن صالح ووثقه خاصة فيما رواه من الكتاب؟! ولو كان منصفا لذكرها.
وهب أن هناك اختلافا على الليث بين أصحابه، لكن القول بترجيح وجه من وجوه الاختلاف، أو بالجمع بينها، لا بد أن يكون على منهج المحدثين، والأستاذ لا يملك في جعبته لإجراء الموازنة بين الأئمة إلا النظر في أحوال الرواة ومراتبهم المبينة في كتاب التقريب، من غير أن يسعى إلى معرفة القرائن في مثل هذه المناسبات العلمية.
وأما قول الأستاذ: ''وقد خالفه ثقتان ثبتان ... فأيهما أرجح، الإمامان الثقتان الثبتان قتيبة ومحمد بن رمح؟! أم عبد الله بن صالح الضعيف''، ففيه مجازفة.
(1) - الفصل التاسع، ص: 414.