ومن أين له أن قتيبة وابن رمح قد خالفا عبد الله حتى يطرح هذا السؤال؟! وقد رأيت آنفا أن روايات الليث كلها متفقة على عدم ذكر ابن عباس راويا عن ميمونة، ومنها رواية قتيبة ورواية محمد بن رمح. بل قال ابن أبي شيبة: ''ورواة أهل مصر لا يدخلون فيه ابن عباس'' [1] . الأمر الذي يدل بوضوح على أن الإمام مسلما بريء من ذكر ابن عباس حين روى الحديث من طريق قتيبة وابن رمح من المصريين.
وفي ضوء تصريحات النقاد الذين يشكلون المرجعية الرئيسة في علوم الحديث لا يسعنا إلا أن نقول: إن قتيبة وابن رمح وحجاج بن محمد المصيصي وغيرهم من الثقات الأثبات قد تابعوا عبد الله بن صالح.
واعتماد البخاري على ابن صالح لم يكن سهوا ولا استعجالا منه، وإنما كان بناء على خلفية علمية واسعة، كما سيأتي (إن شاء الله تعالى) .
وربما يقول الأستاذ: إن البخاري بشر يخطئ ويصيب؟! وكم ترك الأول للآخر؟!
أقول: نعم إنه بشر يخطئ ويصيب، وقد ترك الأول للآخر، لكن لا يجوز القول بذلك إلا عند اكتشاف الآخِر خطأ الأوائل. [2] وليس من الإنصاف العلمي والمنطق السليم أن يرد قول الأول المؤسس على معرفته الحديثية، بمجرد كونه بشرا يخطىء ويصيب، أو بدعوى: كم ترك الأول للآخر.
ولئن كان للشيخ حق في أن يأتي برواية مصحفة لقتيبة وابن رمح من خارج التاريخ ليرد قول البخاري، وإنكار مصداقيته في التعليل، فلماذا يمنع غيره من أن يأتي بمرويات الثقات الثابتة والموافقة لعبد الله بن صالح للبرهنة على دقة البخاري في التعليل؟!
والبخاري وغيره من الأئمة كانوا يهتمون بمعرفة حالة الرواية من حيث التفرد والمخالفة والموافقة من خلال استحضار الروايات والمقارنة فيما بينها، وهذا من أهم ما يشكل نقطة التباين بين أسلوب الأستاذ الذي يتوجه مباشرة إلى كتب التراجم لدراسة السند، وبين أسلوب النقاد في نقد الحديث.
وعلى كل فلم يكن الأستاذ منصفا، ولا منهجيا في دراسة حديث عبد الله بن صالح الذي أورده البخاري، ولا ينبغي له أن يزعم أن البخاري لا يعلم إلا ذلك الحديث، لمجرد سكوته عن غيره.
وقوله: ''ثانيا حديث ابن جريج الذي رواه عنه أبو عاصم ليس فيه ذكر ابن عباس لكن فيه علة وهي عنعنة ابن جريج وهو مدلس، وإن كانت هذه العلة ستزول بتصريحه بالتحديث لكني هنا أبين الحيثيات التي استند إليها الإمام البخاري في حكمه''.
أقول: أهكذا نتعامل مع نصوص النقاد؟!
ألا يتريث الأستاذ في قوله - وهو في دراسة نص الإمام البخاري: ''لكني هنا أبين الحيثيات التي استند إليها الإمام البخاري في حكمه''؟!
(1) - مصنف ابن أبي شيبة 6/ 416
(2) - انظر إلى ما يقوله الشيخ المنصف الفاضل / مقبل - رحمه الله - في كتابه (تحفة المجيب) جوابا عن السؤال الرابع عشر: '' ولا يقال كم ترك الأول للآخر في علم الحديث''.