يعني أن الأستاذ يعرف أن ابن جريج صرح بالتحديث في رواية أخرى، لكنه ينظر فقط في الرواية التي أوردها في التاريخ معنعنة. أ هكذا يعترض الباحث بنظره السطحي الذي لا يتجاوز ظاهر السند، على أقوال النقاد التي لا تصدر منهم إلا في ضوء خلفياتهم العلمية الواسعة،؟!!
وكأن الأستاذ أعد نفسه لرد ما لم يعجبه، بأي أسلوب، سواء أ كان مضحكا أم مبكيا، سواء أ كان مألوفا أم غير مألوف.
وأسلوب الأستاذ يجعلنا نتساءل:
هل كان الإمام البخاري لا يعرف تدليس ابن جريج؟!
وهل لا يعرف أن عنعنة المدلسين غير مقبولة حتى يستدرك عليه بهذه الأمور التي لا يجهلها طالب مبتدئ؟!
وكيف ساغ له أن يقول إن حيثيات البخاري في ذلك الحكم هي ما ذكره في التاريخ؟!
ولماذا يمنع نفسه من البحث فيما يؤيد رأي البخاري من الأدلة؟! بينما يكون الأستاذ مقداما فوق العادة في ميدان جمع الروايات كحاطب ليل، صحيحة كانت أو معلولة، إذا كان ذلك مما يخدم هدفه.
أ ليس هذا تلاعبا بنصوص النقاد، وجرأة على علوم الحديث؟!
وكيف يرفض قول البخاري ''ذكر (ابن عباس) لا يصح''، زاعما أنه لم يستوف الحيثيات؟!
وهل يتوقف القبول من النقاد على استيفائهم حيثيات الأحكام؟!
وكيف يظن أن علم البخاري بالأحاديث هو ما سطره في كتبه فقط؟!
وهل وجد نصا يفيد أنه قد فاته كل ما لم يسطره في التاريخ الكبير من الروايات؟!
فأي المنهجين يفضي إلى الفوضى والبلبلة وطمس معالم النقد والخلط في السنة: منهجي أم منهج الأستاذ؟!
ما هكذا تورد يا سعد الإبل!
هذا وقد نقل الشيخ نفسه سابقا أن السبيل إلى معرفة العلة: ''أن يجمع الناقد طرق الحديث وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم من الإتقان والضبط''.
فمعرفة العلة لا تتأتى إلا بعد جمع طرق الحديث والنظر فيها، والبحث عما يكتنفها من الملابسات والقرائن.
وإن كانت معرفة العلة متوقفة على استيعاب الطرق واستيفاء الحيثيات ودراية القرائن، فإن ذكر العلة لم يتوقف أبدا على سرد تلك الطرق والحيثيات العلمية باستيعاب؛ فإن الناقد يخاطب بذلك من يفهمه من طلبة العلم. وبالتالي فقد يشرح ذلك بإيجاز، وقد يبسط فيه، وقد يعبر بما يفهمه معاصره.
لذا، فسكوت الناقد عند التعليل عن أدلته لن يكون دليلا على جهله بها، كما أن اقتصاره على ما ذكره في النقد لن يكون دليلا على استعجاله في الحكم قبل أن يبحث ويتتبع وينخل.