وليس من عادتهم ذكر جميع حيثيات النقد، وإنما يذكرون بعض أطراف الرواية، كما هو شأن البخاري في التاريخ، وابن أبي حاتم في العلل، وعلي بن المديني في العلل والترمذي في سننه وعلله. وقد يجمع طرق الحديث باستيعاب أو بلا استيعاب عند بيان العلل كما أَلِفنا الدارقطني في علله.
وفي ضوء هذا الواقع الذي يتجلى مثل الشمس يصبح ما قاله الشيخ غير منهجي. ومن المعلوم أن من عادة العلماء البحث والتتبع عن محامل الأقوال الصادرة عمن سبقهم من الأئمة إذا اشتبه عليهم شيء منها. وأستاذنا لا يلتفت إلى خارج التاريخ لفهم كلام الإمام البخاري، إذا كان ذلك يخالف رأيه. وأما إذا كان مما يخدم رأيه فإنه من أكثر الناس نشاطا وشغبا بجمع المتابعات والشواهد كحاطب ليل.
ومما ينبغي لنا أن نعرفه جيدا أن الأئمة النقاد لا يخوضون في التصحيح والتعليل والترجيح إلا بعد جمع طرق الحديث، وفحصها. واذا لم يستطيعوا الجمع والنظر توقفوا عن النقد.
وقد سأل الترمذي البخاري عن حديث رواه بسنده عن أبي جحيفة وآخر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - (شيبتني هود وأخواتها) أيهما أصح، فقال البخاري: ''دعني أنظر''، ولم يقض فيه بشيء. [1]
أما رأيت الإمام البخاري هنا يتوقف عن الحكم قبل الجمع والمقارنة؟!
هل كان يقصد من قوله ''دعني أنظر'' أن ينظر في ترجمة الرواة؟!
كلا. فإن الرواة وأحوالهم ومراتبهم عند النقاد معروفة، وقد ذكر الترمذي الحديثين بسنديهما.
وأين نحن من هؤلاء النقاد حتى نرد كلامهم بظاهر الأمور؟!
وأين نحن من الأحاديث التي كان يحفظها الإمام البخاري وغيره حتى نقول إنه فاتته الروايات بمجرد أنه لم يذكرها في التاريخ؟!. وكان على الشيخ أن يسكت بحلم، أو ينطق بعلم.
ولا يعني هذا أبدا أنهم معصومون من الخطأ، وأنهم لا يخطئون فيما يصدر عنهم من الأحكام، كلا وألف كلا. بل يعني أنهم لا يقصرون في جمع الطرق والنظر فيها، وأنهم لا يُقدمون على تعليل حديث أو نقده إلا بعد استيعاب طرقه. لذا، فإن الخطأ فيما يتفق عليه النقاد مستحيل عرفا، وإن كان جائزا في حق واحد منهم، وإن أخطأ أحدهم فإن غيره من النقاد لا يوافقونه عليه.
وقول الشيخ:
''ثالثا: الإسناد الثالث إسناد صحيح وقد صرح فيه ابن جريج وشيوخه إلى ميمونة بالتحديث، وهو كما ترى ذكر فيه ابن عباس، وهو من المتابعات القوية لحديث الليث عند مسلم التي رواها عن قتيبة وابن رمح عن الليث إلى ابن عباس عن ميمونة مرفوعا''.
أقول: كيف يحكم الأستاذ بصحة الإسناد بمجرد تصريح المدلس بالسماع؟!
وأين بقية شروط الصحيح؟!
(1) - علل الترمذي الكبير 1/ 358