الصفحة 143 من 454

أما رأيت الإمام البخاري، والدارقطني قد قالا بأن ذكر ابن عباس في حديث ابن جريج لا يصح، ليس لأنه مدلس، ولا لأنه متكلم فيه، ولا لأن البخاري والدارقطني لا يعرفان عن أحوال ابن جريج، كلا، وإنما لمخالفة بعض رواته ما ثبت عنه. ومن أهم شروط صحة الحديث خلوه من تلك المخالفة التي تعد علة وشذوذا.

وأما النقاد فيحكمون على الحديث بأنه صحيح أو غير صحيح بناء على الحفظ والمعرفة والفهم. وبالتالي إذا قالوا هذا صحيح فمعناه أنه تبين لهم أن الرواة لم يخطئوا في رواية هذا الحديث. وإذا قالوا: هذا منكر، وهذا غير محفوظ، أو هذا غريب، فمعناه أنه تبين لهم أن الراوي أخطأ في الحديث. وليس معناه أن رواته ضعفاء، أو أحد رواته ضعيف، أو الإسناد منقطع، حتى يأتي الأستاذ اليوم ليقول مستدركا عليهم: كلا، إن رواته ثقات، أو صرح فلان بالتحديث.

وقوله: ''وقول البخاري على جلالته (ولا يصح فيه ابن عباس) غير مسلم؛ لأنه فيما يبدو على أن مكيا خالف اثنين وهما عبد الله بن صالح وأبا عاصم (كذا) الضحاك بن مخلد، ولا يمنعني كثرة حفظه وجلالته أن أقول: إنه فاته أن قتيبة وابن رمح الإمامان الثقتان الثبتان قد رويا الحديث عن الليث، والإمام البخاري أجل وأحفظ من مسلم، وله أمور يمتاز بها على مسلم يعرفها أهل الشأن.

ولكني أكاد أقطع أن الإمام البخاري قد فاتته رواية قتيبة وابن رمح، ولو كانت روايتهما عنده لما تجاهلها في هذا الموقف فهو أخشى لله وأتقى من ذلك''.اهـ

قلت: والله كم يستفزني صدور مثل هذا الكلام غير المنهجي من أستاذ جامعي قضى حياته في حقل تدريس الحديث وعلومه!.

لا ينبغي الفهم أن البخاري ضعف ذكر ابن عباس في السند لأن مكيا خالف اثنين، وهما: عبد الله بن صالح وأبو عاصم الضحاك بن مخلد. إذ الاختلاف الذي يقتضي الترجيح أو الجمع يجب فيه أن يتحد مخرج الروايات المختلفة [1] ، بينما الاختلاف الذي أثاره الأستاذ لم يكن متحدا في المخرج؛ فإذا كان مخرج الحديث في رواية عبد الله بن صالح هو الليث بن سعد، فإن المخرج في رواية مكي وأبي عاصم هو ابن جريج، وبالتالي لا يقال إن مكيا قد خالف عبد الله بن صالح. وكيف إذن يحمل هذا الفهم المغلوط على الإمام البخاري؟!

نعم يقال هنا: إن مكيا قد خالف أبا عاصم لاتحاد مخرجهما وهو ابن جريج.

وعلى كل فقول الإمام البخاري في غاية من الدقة، ولا يشك في نصاعته أحد ممن عنده معرفة حديثية أو ممارسة لنصوص النقاد. لذا، وجدنا الإمام الدارقطني في العلل قد وافقه في ذلك، ولم نجد لهما مخالفا من النقاد.

والواقع أن الاختلاف على ابن جريج إنما هو بين عبد الله بن المبارك وأبي عاصم من جهة وبين عبد الرزاق ومكي من جهة أخرى، وفي مثل هذا الاختلاف ينبغي ترجيح أحد الروايتين، أو تصحيحهما جميعا بناء على مقتضى القرائن، ولا يكون ما وقع في نسخة صحيح مسلم من التصحيف دليلا للترجيح، والذي يتعين علينا في مثل هذه المناسبة هو قبول ما رجحه البخاري والدارقطني وغيرهما دون اعتراض عليهم.

(1) - انظر النكت 3/ 715

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت