وربما صوب الأئمة إسقاط ابن عباس في حديث ابن جريج لموافقة ذلك رواية الليث المتفقة على إسقاطه، وربما يكون للترجيح سبب آخر، لأنهم لا يرجحون شيئا جزافا ودون علم ومعرفة، وإن كان الوهم والخطأ والنسيان من طبيعة البشر لكنه بعيد فيما اتفق عليه الأئمة في عصور مختلفة. وهذا هو اعتقادنا في سلفنا. والله الموفق.
ثم إن قول الشيخ: ''ولا يمنعني كثرة حفظه وجلالته أن أقول إنه فاته أن قتيبة وابن رمح الإمامان الثقتان الثبتان قد رويا الحديث عن الليث''، مرفوض لدى العقلاء؛ إذ سكوت البخاري عن شيء لا يعني بالضروة أنه فاته ذلك الشيء.
والذي أعرفه من تاريخ الأئمة النقاد الذين تصدوا لهذه المهمة العلمية، بل أعتقد اعتقادا جازما، أنهم لا يقتصرون على سماع الحديث من شيخ واحد، لا سيما إذا كان ذلك الحديث مرويا عن أحد المكثرين أمثال الليث، بل يجتهدون ويتتبعون، ويرحلون لكي ينظروا في ذلك الحديث ضمن أحاديث أخرى، ويسمعونه من تلاميذ ذلك الشيخ، بل يسمعون من شخص واحد أكثر من مرة. ولهم في ذلك غرضان أساسيان، وهما:
أ - ... دراسة حال الحديث.
ب - ودراسة حال راويه.
هنا مثلا حديث الليث في فضل الصلاة في المسجد النبوي، رواه الإمام البخاري من طريق عبد الله بن صالح عنه في التاريخ الكبير، ولم يزد عليه، مع شهرة رواية قتيبة وابن رمح وغيرهما عنه، وهذا لا يدل - لا من قريب ولا من بعيد - على أن الإمام البخاري قد فاته ما لم يذكره بمجرد أنه لم يذكره في التاريخ الكبير. ولو ثبت عندنا أن البخاري كان يستوعب في تاريخه ذكر الروايات المتفقة والمختلفة ثم وجدناه لم يذكر إلا رواية واحدة لحديث ما لكان ذلك دليلا على أنه لم يعلم إلا ما ذكره فيه.
أما والإمام البخاري لم يشترط في التاريخ استيعاب الروايات، بل صرح بأن الكتاب مختصر [1] ، فعدم ذكر الروايات الأخرى فيه قد يكون لاتفاقها أو لعدم وقوفه عليها. لكن مناسبة النقد تدل على أنه كان مهتما بروايات أخرى عن الليث. وإلى جانب هذا أن عادته أن يعل الحديث أو يعرض عنه إذا لم يعرفه إلا من طريق واحد.
وفي ضوء هذه المعطيات يتعين علينا القول إن البخاري اكتفى بذكر رواية
عبد الله بن صالح دون غيرها من الروايات المشهورة بين معاصريه، لوجود اتفاق بينها، ولا حاجة لذكرها في تاريخه الكبير الذي لم يلتزم فيه الاستيعاب.
ومن المعلوم أنه إذا سمع البخاري من عبد الله بن صالح، أو غيره أحاديث الليث مثلا فإنه يولي اهتماما كبيرا لسماعه من الآخرين من أصحابه، ومنهم قتيبة بن سعيد وابن رمح، وغيرهما من الثقات، ولم يكن من عادتهم أن يقتصروا في ذلك على راو واحد، بل يسمعه من شخص واحد أكثر من مرة، كما يسمع ذلك الحديث من غير واحد إذا أمكن ذلك، وذلك لكي يعلم مدى ثبوت ما يروى عن الليث، ولهذا الغرض كان
(1) - صرح الإمام البخاري نفسه بأنه مختصر. انظر تاريخ بغداد 2/ 7