يرجع إلى كتب عبد الله بن صالح فيما يخص حديث الليث، كما يظهر ذلك بجلاء لمن يتتبع التاريخ الكبير. هذا وقد رحل البخاري فعلا إلى مصر مرتين للقاء المحدثين فيها، وكان قتيبة ممن صاحبه كثيرا في الحضر والسفر، حتى إنه دخل مع قتيبة وغيره الكوفة مرات لا تحصى.
جاء عن قتيبة بن سعيد: ''لقد رحل إلي من شرق الأرض ومن غربها، فما رحل إلي مثل محمد بن إسماعيل''. مما يدل على أن البخاري قد صاحبه ولازمه. وكذلك قد لقي الإمام البخاري ابن رمح وهو مصري، وقد روى عنه خارج الصحيح [1] . وهما من مشاهير أصحاب الليث.
وإذا كان هذا حال أئمة النقد عموما، كيف يُقْدِم الأستاذ على الجزم بأن البخاري فاته حديث قتيبة وابن رمح؟! ومن أخبره بذلك؟!.
وقوله في (ص 19) :
''رابعا: حديث مسدد عن بشر بن الفضل عن عبيد الله عن نافع كلهم من جبال الحفظ، مسدد ثقة حافظ. تقريب (2/ 242)
وبشر بن الفضل ثقة ثبت فاضل عابد. تقريب (1/ 537)
ويضم بشر بن الفضل إلى الرواة الذين اختارهم مسلم في الرواية عن عبيد الله عن نافع به، وهم: يحيى القطان وابن نمير وأبو أسامة وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي.
وهل يطلب لصحة الأحاديث وثبوتها أعلى وأثبت وأحفظ من هؤلاء أو على منهج الأخ الباحث من أراد أن يدلل على علة حديث يأتي بأمثال هؤلاء''.اهـ.
قلت: على أنه قد مضى ما يكون جوابا عن هذه الفقرة فإنه مما ينبغي أن نتذكره دائما أن قضية التصحيح والتعليل ليست بالأمر الهين، وأن التصحيح لا يكون إلا بعد أن تتوفر في الحديث شروط الصحة، ومن أهمها خلوه من مخالفة الثابت والتفرد بما ليس له أصل، وهذا هو المنهج المعروف عند المحدثين في التصحيح، وأما تصحيح الإسناد فعمل لا طائل تحته سوى التنبيه على أن رواته ثقات فقط. وبالتالي يبقى عمل النقاد نزيها ومحترما.
ويبدو من تركيز الأستاذ على ذكر عدد كبير من الرواة ممن رووا هذا الحديث عن عبيد الله أن الإشكال في روايتهم عنه، وليس الأمر كذلك، لأن الحديث ثابت عن عبيد الله بهذا الوجه، وأما الإشكال الذي أثاره النقاد فيكمن في رواية عبيد الله عن نافع عن ابن عمر.
قوله: ''خامسا مسدد (عن) يحيى (وهو ابن سعد القطان) عن موسى الجهني سمع نافعا سمع عبد الله بن عمر سمع النبي صلى الله عليه وسلم - مثله - والأول أصح.
وهذا إسناد قوي فيه جبال الحفظ، وأدناهم موسى الجهني، وهو ثقة عابد، وفيه تقوية لابن أبي زائدة الذي روى مسلم الحديث عن طريقه عن موسى الجهني به.
ثم ليقف المنصف هنا عند قول الإمام البخاري ''والأول أصح'' وليتساءل:
(1) - انظر التهذيب 9/ 165