الصفحة 147 من 454

أقول: مما يمكن الجزم به في ضوء منهج المحدثين في بيان الاختلاف والترجيح أن قوله (الأول أصح) لا يعود إلى رواية بشر عن عبيد الله.

وليتضح ذلك نقرأ أولا ما ساقه البخاري في ترجمة إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس من الروايات والتعقيبات قراءة منهجية.

الذي يبدو لكل منصف يتتبع نصوص البخاري في التاريخ الكبير في ترجمة إبراهيم هو: أن البخاري قصد من خلال عنوانه - وهو: ''إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب أخو عباس الهاشمي عن أبيه وميمونة'' - وما أورده فيه من الروايات: أن يبرهن على أن إبراهيم له رواية عن ميمونة، بغض النظر عن مدى اتصالها وانقطاعها، وأنها ليست عن ابن عباس. أما روايته عن أبيه فليس في ثبوتها إشكال، وقد ثبت من الروايات المشهورة في الصحيح والسنن أنه روى عن أبيه عن ابن عباس، لذا أعرض عن هذا الجانب، مركزا على رواية إبراهيم عن ميمونة، لما فيها من إشكال قد يثيره بعض الباحثين نظرا إلى ظاهر الأسانيد التي تتصل بحديث إبراهيم.

فأورد البخاري في ترجمة إبراهيم أولا رواية الليث من طريق عبد الله بن صالح، ورواية ابن جريج من طريق أبي عاصم والمكي، وثانيا رواية عبيد الله وموسى الجهني، وبذلك قد استوعب جوانب الموضوع المتعلق بكيفية رواية إبراهيم عن ميمونة بذكر أطراف الاختلاف، ثم رجح في ضوء القرائن أن الصواب ما رواه الليث وابن جريج عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة، حين قال:''والأول أصح''، يعني الطرف الأول من أطراف الاختلاف، ألا وهو رواية الليث وابن جريج.

كما رجح الإمام البخاري عدم ذكر ابن عباس في حديث ابن جريج.

وبهذا العرض العلمي الدقيق والمقارنة والترجيح تبين لنا جليا أن البخاري قد برهن على صحة ما ورد في العنوان، وهو: أن إبراهيم له رواية عن ميمونة، مبعدا عنه كل ما تثيره بعض الروايات من إشكال، وبذلك تناسق كلامه الطويل في ترجمة إبراهيم بعضه مع بعض.

ومن الجدير بالذكر أن الإمام البخاري له أغراض علمية في ترجمة الرواة وذكر الروايات المتعلقة بصاحب الترجمة، وتتنوع هذه الأغراض العلمية بتنوع المشكلات المثارة حول الراوي المترجم له. قد يكون غرضه إثبات سماعه من فلان، أو تحقيق اسمه الكامل، أو تحقيق روايته عن فلان بغض النظر عن مدى الاتصال والانقطاع بينهما، أو يكون قصده بيان شهرة الراوي بالحديث الذي أورده في ترجمته، قد يكون الحديث مشهورا وقد يكون غريبا، أو بيان شهرة الحديث بصاحب الترجمة، وقد يكون الراوي مشهورا وقد يكون غير معروف إلا من خلال حديثه الذي أورده في ترجمته، وقد يكون ذلك الحديث مشهورا وقد يكون غريبا.

وعلى كل فقد تضمنت نصوصه في ترجمة إبراهيم نقطة علمية رئيسة؛ وهي هل روى إبراهيم عن ميمونة أم أن هذه الرواية غير ثابتة. وركز على إثباتها من خلال ترجيحه رواية الليث وابن جريج عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة. أما موضوع رواية إبراهيم عن ابن عباس في حديث ابن جريج فقد عالجه البخاري استطرادا، حين أتى برواية ابن جريج، وصرح بعدم ثبوت روايته عن ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت