الصفحة 148 من 454

وإثبات رواية إبراهيم عن ميمونة متوقف على حل الخلاف بين عبيد الله وموسى الجهني من جهة، وبين الليث وابن جريج من جهة أخرى، وذلك لأنه لو كانت رواية عبيد الله وموسى الجهني هي التي ثبتت عن نافع في حديث فضل الصلاة في المسجد النبوي لانتفى مجال رواية إبراهيم عن ميمونة، لأن إبراهيم قليل الحديث، ويبدو أن روايته عن ميمونة لم تعرف إلا من خلال هذا الحديث، ولذا ركز البخاري على حل ذلك الخلاف من خلال هذا الحديث، بترجيح رواية الليث وابن جريج عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة في ضوء الأدلة والقرائن التي يفهمها أهل التخصص من سياق كلام البخاري. [1]

ولما أورد البخاري رواية عبيد الله و موسى الجهني عن نافع عن ابن عمر مع رواية الليث وابن جريج عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة، في ترجمة إبراهيم دلنا على وجود خلاف على نافع؛ هل روى نافع هذا الحديث عن ابن عمر أم عن إبراهيم. وهذا الاختلاف بعينه جاء في صحيح الإمام مسلم بعد أن اعتمد على حديث أبي هريرة الذي لم يختلف في صحته أحد من النقاد حسب تتبعي. ثم جاء الإمام النسائي ليبين الاختلاف ذاته على نافع، ثم أورد ذلك الاختلاف الإمام الدارقطني في كتابه التتبع. انظر كيف اتفق هؤلاء الأئمة في مختلف العصور والبلدان على تلك النقطة التي أثارها الإمام البخاري في التاريخ الكبير. فهذا دليل على مدى دقة نظر كل واحد منهم في الحديث وتوحد منهجهم في النقد.

ولم نر أحدا منهم يعترض على الآخر بأن فلانا من أهل الطبقة الأولى، أو كلهم ثقات أجلاء، وله متابعات وشواهد فالحديث صحيح من جميع هذه الطرق!، بل نرى النقاد ينضم بعضهم إلى بعض بإثارة الاختلاف الذي أثاره أسبقهم.

(1) - ومن الجدير بالذكر أن إبراهيم هذا قليل الرواية جدا، وأمثال البخاري من علماء الجرح والتعديل إنما يكون تعويلهم على مثل هذه الأسانيد الصحيحة في إثبات الرواية والسماع في حق الرواة القدامى غير المشهورين. والله أعلم

وينبغي أن نلفت الانتباه إلى أن كثيرا من المتأخرين مثل صاحب كتاب الكمال وصاحب تهذيبه وغيرهما من المتأخرين إنما يعولون على ما ذكره السابقون، بالإضافة إلى ما ورد في الأسانيد من الروايات، من دون تحقيق لمدى صحة السماع واللقاء، بخلاف البخاري وغيره من أئمة النقد، فإنهم يتأكدون من ذلك بدقة. ومن هنا جاء في ترجمة إبراهيم من تهذيب الكمال وما لحقه من كتب التراجم ذكر ابن عباس من شيوخ إبراهيم، بينما في كتب المتقدمين لم يذكر أنه روى عن ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت