الصفحة 149 من 454

وبعد بيان الاختلاف على نافع رجح البخاري رواية الليث وابن جريج بقوله (والأول أصح) . فرجعت الأولية إلى الطرف الأول من أطراف الاختلاف على الأسلوب الحديثي المعروف، بل على الأسلوب العربي المألوف.

وينبغي أن يتذكر الأستاذ أن الاختلاف هنا يرجع إلى نقطة واحدة، بالنسبة إلى رواية عبيد الله و موسى الجهني، وهي: هل روى نافع هذا الحديث عن إبراهيم عن ميمونة، أم عن ابن عمر مباشرة. هذه فائدة ربط الروايات المضطربة بمدارها والمقارنة بينها.

وأما احتمال أن يقصد البخاري بقوله (الأول أصح) رواية بشر عن عبيد الله، فغير وارد هنا أصلا لأنه:

أولا - كما سبق - أن البخاري في صدد بيان الاختلاف بين عبيد الله وموسى الجهني من جهة، وبين الليث وابن جريج من جهة أخرى. ومن المعلوم لدى الجميع أن أي ترجيح يكون بعد بيان الاختلاف إنما يكون بين الأطراف المختلفة، وليس بين الأطراف المتفقة.

ثانيا: أن المراد بقوله (أصح) هو الترجيح، وليس بيان الاشتراك في أصل الصحة، وقد سبق في كتب المصطلح أن هذا المصطلح إنما يستخدم للترجيح عند الاختلاف. لا أدري من أين أتى الأستاذ بهذه التحليلات الغريبة؟! وكتب المصطلح بريئة كل البراءة من هذا الفهم المغلوط. غفر الله لنا وله.

أسلوب البخاري في استخدام كلمة (الأصح) في التاريخ الكبير

لعل من الأفضل أن ننظر في أسلوب الإمام البخاري في استخدام كلمة (الأصح) في تاريخه الكبير؛ فهو يطلق فيه عند بيان الاختلاف على راو، مرجحا لوجه من وجوه هذا الاختلاف، ويقول: (هذا أصح) , أو (الأول أصح) ، وهوالغالب، ويطلق أحيانا لفظ (الأشبه) ، أما إطلاقه (الصواب) ، و (المحفوظ) , فقليل ولا يكاد يوجد فيه، ويقول كذلك: في تاريخه عند بيان الاختلاف (ولا يصح) يريد به أنه غير محفوظ، أو مرجوح، ويقول أحيانا (ولا يتابع عليه) وأما مصطلح (ولا أراه محفوظا) ، (وهو خطأ) فنادر جدا.

وكذلك لم يقل (وخالفه) ، أو (واختلف عليه) لبيان الاختلاف، بل يقول (وقال) إلا في أربعة مواضع من التاريخ، وهي (1/ 51،92، 4/ 292, 5/ 40) فقد قال فيها (وخالفه) ، هذا كله في ضوء استقرائي لتاريخه.

أما اطلاقه (هذا أصح) ، (والأول أصح) فيريد به الترجيح بغض النظر عن مدى استيفائه شروط الصحة، فقد يكون ما قاله الراوي مرسلا أو منقطعا، أو خطأ، إذ المقصود بالترجيح هو بيان ما ثبت عن الشيخ المختلف عليه. و ليس معناه بيان الاشتراك في أصل الصحة.

وإذا رجعنا إلى كتاب التاريخ نفسه، و نظرنا ما هي عادته فيه، وجدنا فيه (1/ 303) قوله في ترجمة إبراهيم بن عبد الله بن سفيان الأخنسي: (وهذا أصح) عقب بيان رواية سليمان بن يزيد المدني حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن سفيان عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن عمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت