ثم أورد طريقا آخر بقوله: حدثني حامد بن عمر حدثنا بشر عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري حدثني ثعلبة بن عبد الله بن صعير ... مثله، (ولا يصح فيه ثعلبة) .
فإذا كان البخاري يريد بقوله (الأصح) بيان الاشتراك في أصل الصحة فكيف إذن يقول عن المرجوح (ولا يصح) ، إذن واضح وجلي أنه يريد بقوله (الأصح) ترجيحه فقط.
وانظر أيضا في (2/ 172) فقد أورد الإمام البخاري في ترجمة ثعلبة بن الحكم الليثي، اختلافا على سماك، فذكر رواية زكريا بن أبي زائدة عن سماك عن ثعلبة بن الحكم قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: ''لاتحل النهبة''، ثم ذكر رواية أسباط عن سماك عن ثعلبة عن ابن عباس، وقال: (ولا يصح ابن عباس) وقال عن رواية سماك عن ثعلبة بن الحكم"انتهبوا يوم خيبر'' (وهذا أصح) . وهذا ظاهر أيضا أنه يريد به الترجيح."
وانظر أيضا في (6/ 408 - 409) فقد ذكر فيه البخاري رواية عبد العزيز ابن رفيع حدثني ابن أبي مليكة وعكرمة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه أكل لحما ولم يتوضأ) .
وعقبه البخاري بقوله: (وهذا لا يصح) . وذكر سببا له فقال: ''لأن أيوب وسماكا وعاصما رووه عن عكرمة عن ابن عباس''، ثم قال البخاري: ''وقال الليثي حدثني عقيل عن يونس عن ابن شهاب أخبرني سعيد بن خالد سمع عروة سمع عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم توضؤوا مما مست النار، وهذا أصح''. وهذا أيضا ظاهر في أنه يريد الترجيح.
وكذلك في (6/ 449) من التاريخ في ترجمة عامر بن أسامة بن عمير البصري الهذلي. قال البخاري: قال مسلم ثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المليح كنا مع بريدة في غزوة، وقال الأوزاعي عن يحيى عن أبي قلابة عن أبي مهاجر. قال البخاري: (والأول أصح) ، ثم قال: ''وروى الأوزاعي أيضا أحاديث عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي مهاجر، ولا يصح من أبي قلابة عن أبي المهاجر شيء''.
وهذا أيضا ظاهر في أنه لا يريد به الاشتراك في أصل الصحة، بل يريد به الترجيح.
هكذا رأينا البخاري يجمع بين قوله (الأصح) و (لا يصح) أو بين (الأصح) و (لا يتابع عليه) في سياق واحد في مواضع من التاريخ؛ منها (3/ 284، 5/ 21) مما يؤكد أن المراد بالأصح عند بيان الاختلاف هو الترجيح، دون بيان الاشتراك في أصل الصحة.
ومن عادة البخاري وغيره من الأئمة إطلاق (الأصح) للتعبير عن الراجح بغض النظر عن مدى استيفاء الحديث شروط الصحة من الاتصال وغيره، فكانوا يطلقون ذلك فيما كان منقطعا أو متصلا أو موقوفا أو مرفوعا أو غيرها.
قال البخاري في التاريخ (2/ 171) :
''وحديث ثابت أصح وفي نفس الحديث نظر''.
وفي (2/ 228) ''هذا أصح بإرساله وانقطاعه''.
وفي (4/ 221) ''وهذا أصح بانقطاعه، ولا يصح إلا عن علي بن حسين عن النبي صلى الله عليه وسلم''.