وبعد فأقول إن الأئمة النقاد إذا قالوا في أثناء بيان وجوه الاختلاف أو بعده: (هذا أصح) أو (الأصح كذا) ، أو (الصحيح كذا) أو (الأشبه كذا) ، أو (هذا يشبه) ، أو (المحفوظ كذا) ، ونحو ذلك، فمرادهم بذلك أن هذا هو الثابت عن الراوي، بغض النظر عن مدى سلامته من الخطأ والوهم؛ فقد يكون ضعيفا، وقد يكون صحيحا.
ومن المعلوم أن لكل فن رجالا، ولهم فيه منهج واصطلاحات خاصة بهم، ولا يسعنا إلا أن نلتزم بمنهجهم، ولا ينفع فيه الشغب والانفعال والطعن والدعوى الفارغة.
وكذا يقول الإمام الترمذي: '' هذا أصح شيء في هذا الباب'' ولا يريد به أنه أكثر صحة من غيره، بل يريد الترجيح فقط [1] .
إذا كانت هذه هي عادة الإمام البخاري في تاريخه الكبير تعين المراد بقوله في المثال السابق (والأول أصح) : أن ما أورده أولا من وجوه الاختلاف على نافع ثابت عنه، وهو ما رواه الليث وابن جريج بدون ذكر ابن عباس. ويفهم من ذلك أن ما رواه عبيد الله وغيره، خطأ.
كما لا يمكن أن يراد بقوله (الأول أصح) أن ما رواه الليث أكثر صحة من غيره، وذلك لأن حديث إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن ميمونة لم يثبت اتصاله، وإلى جانب هذا فإن إبراهيم لم يوثقه إلا ابن حبان، وبالتالي لم تتوفر فيه شروط الصحة، فضلا عن أن يكون حديثه أصح من حديث عبيد الله وغيره عن نافع عن ابن عمر، ورجال هذا الإسناد كلهم جبال. فلا يمكن أن يقال في حق الإمام البخاري، في ضوء ما شرحه في التاريخ الكبير:
''أنه يرى صحة حديث ابن عمر وحديث ميمونة، إلا أن حديث ميمونة عنده أكثر صحة من حديث ابن عمر''. كما زعم الشيخ.
وإن كان الشيخ يدعي صحة الروايتين فعليه أن يأتينا بدليل مقبول. ولا يكون قوله ''إن حديث ابن عمر رجاله أفضل من رجال حديث ميمونة'' كافيا في ذلك، وليس من المعقول أن النقاد أغفلوا جميعا في مختلف العصور أحوال رواة هذين الحديثين. فهذه دعاوى فارغة لا صلة لها بالموضوع الذي نحن بصدده. بل إن ترجيحهم ذلك تنبيه قوي إلى أن منهجهم قائم على الحفظ والفهم والمعرفة، وليس على ظاهر السند وأحوال الرواة.
هذا ما قاله الشيخ المعلمي: ''أئمة الحديث قد يتبين لهم في حديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنه ضعيف، وفي حديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنه صحيح، والواجب على من دونهم التسليم لهم''.
ويقول الخليلي: ''وإذا أسند لك الحديث عن الزهري او عن غيره من الائمة فلا تحكم بصحته بمجرد الإسناد فقد يخطئ الثقة '' [2] .
(1) - وانظر مقدمة تحفة الأحوذي (ص: 197) .
(2) - الإرشاد 1/ 202