دحض شبهاته
هذه الدراسة أعجب من السابقة، إذ نرى الإمام النسائي يعل حديث ابن عمر حين قال: ''لم يرو هذا الحديث عن نافع عن عبد الله بن عمر غير موسى الجهني وخالفه ابن جريج وغيره''، لكن الشيخ يقول:
''لا يجوز أن يقال إن النسائي انتقد وعلل حديث ابن عمر وميمونة'' [1]
إذن ماذا عمل النسائي هنا في هذا الحديث؟!!
إن قول النسائي واضح في بيان مخالفة موسى الجهني لابن جريج وغيره، وهذه المخالفة يفهمها كل منصف واع أنها علة، ولا يفهم أنه يصحح حديث ابن عمر أو يقويه بتعدد الطرق. وبين الأمرين فرق واضح يعرفه كل طالب، إذ يقال عند التعليل:'' وخالفه فلان '' وفي التعدد والتقوية: ''تابعه فلان''.
وهنا نقطة طريفة: كان الرجل يقول لنا إن النسائي لم يذكر حيثيات الحكم ولم يذكر رواية فلان وفلان، ومقتضى هذا أن النسائي أعل حديث ابن عمر لكن إعلاله غير مقبول عنده، أو فيه نظر لأنه لم يستوف الحيثيات، أو أعله بدون دليل.
وأما أن يقول بعد الدراسة: '' ثم يتضح لنا في هذا العرض أنه لا يجوز أن يقال إن النسائي انتقد وعلل حديث ابن عمر وميمونة كما يردد ذلك هذا الباحث'' فدليل على تغير فهمه واختلال موازينه؛ لأن ما أتى به الأستاذ قبل هذا صريح في أن النسائي أعل حديث ابن عمر، لكنه فقط لم يستوف حيثيات حكمه وتعليله.
ثم إن النسائي ركز على تعليل حديث ابن عمر، وليس من الضرورة أن يذكر جميع الاختلافات الواردة في حديث ميمونة، حتى يقبل تعليله لحديث ابن عمر، ولم يشترط ذلك أحد من قبل.
صحيح أن الإمام النسائي لم يذكر هنا رواية عبيد الله، ولا رواية الليث وهذا لا يعني أنه أعل الحديث دون علم بما ورد فيه من الطرق، واستعجل بالحكم دون مقارنة، كما لا يعني أنه يجهل ذلك الذي لم يذكره من طرق الحديث. وسبب ذلك التزامه بالاقتصار على أعلى أسانيده في سننه، لا سيما وقد ألف الحفاظ الصحاح والسنن في عصره وقبله، ولا يعيدون فيها الحديث بسنده إلا إذا كان عاليا، كما يتضح ذلك جليا من خلال المقارنة بين السنن وبين ما سبق من الصحاح، ثم إنه كان يخاطب بسننه من يفهمه من طلبة العلم.
ومن الجدير بالذكر أن الأئمة قد يركزون على بيان علة الحديث أكثر من تركيزهم على ذكر حيثياته، اعتمادا على فهم من يخاطبونه [2] . لذا، نلفيهم يتفقون في التعليل ويختلفون في دقة التعبير عن بعض الحيثيات من التفرد والمخالفة، وهنا نرى الإمام النسائي يقول:
(1) - كما أن الأستاذ جاء هنا ليقر بالواقع دون أن يشعر، حين قال: ''وسوغت لي مخالفة ما فهمه القاضي من كلام البخاري''، إذن لست وحيدا في الميدان، وكنتُ قد فهمت من نصوصه كما فهم القاضي، وكل ما يوجهه نحوي من التهم يتوجه نحو القاضي أيضا.
(2) - جاء في تدريب الراوي:"وربما تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي في نقد الدينار والدراهم''. (1/ 252) "