الصفحة 156 من 454

''لم يرو هذا الحديث عن نافع عن عبد الله بن عمر غير موسى الجهني وخالفه ابن جريج وغيره''.

وكان تركيزه على بيان العلة في حديث ابن عمر أكثر من تركيزه على بيان حيثياتها، وقد تساهل في ذكرها، بل اكتفى بعبارة يظن أنها كافية في ذلك. لذا، لا ينبغي تفسير ما صدر من النسائي أنه (رحمه الله) استند في تعليل حديث ابن عمر إلى تفرد موسى الجهني به مخالفا لابن جريج وغيره. ثم الاعتراض عليه بأن الأمر ليس كذلك، بل تابعه عبيد الله بن عمر وغيره.

ولو فرضنا أن الإمام النسائي لم يستوف الأدلة لعدم وقوفه عليها، وأنه استند في تعليله إلى ما أورده في سننه دون غيره، وأنه كان مستعجلا في حكمه، ما وافقه غيره من النقاد، لكن وافقه كل من الإمام الدارقطني والبخاري، وهذا يدل على دقة نظره وصواب رأيه، وأنه أعل الحديث في ضوء خلفيته العلمية التي يجب توافرها في الناقد، ولم نجد أحدا من النقاد يعترض على النسائي برواية عبيد الله بن عمر وغيره، بل قد أعلوه مع علمهم بها.

وقول الإمام النسائي (رحمه الله) : ''إن موسى الجهني خالفه ابن جريج وغيره''، بيان منه أن هناك اختلافا على نافع، وأن حديثه عن نافع عن ابن عمر معلول بسبب هذه المخالفة، وبعد ذلك أخرج رواية ابن جريج عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد (عن ابن عباس) عن ميمونة، دون أن يتعرض هنا إلى بيان الاختلاف على ابن جريج، ولا إلى روايته عن الليث.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: '' وقد اعترض على الترمذي (رحمه الله) بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبا، وليس ذلك بعيب، فإنه رحمه الله يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الأسانيد، وكان قصده رحمه الله ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له''.

وقول الأستاذ: ''فهذه الدراسة التي كشفت عن هذه الأمور هي التي سوغت لي تأييد وتقوية وموافقة الإمام مسلم في تصحيح حديث ابن عمر ثم حديث ابن عباس عن ميمونة. وسوغت لي مخالفة ما فهمه القاضي عياض من كلام البخاري''

أقول: هذه الدراسة كشفت أن الإمام النسائي صرح بأن حديث موسى الجهني عن نافع مخالف لحديث ابن جريج وغيره. وهذه عبارة علمية واضحة المعنى في نقد المرويات، ولو يرى النسائي غير ذلك ما وصفه بالمخالفة، كعادة النقاد. ويعد هذا تصريحا من الإمام النسائي بأن حديث موسى الجهني عن نافع عن ابن عمر معلول، والصواب حديث الليث وابن جريج، لا سيما في ضوء نصوص الأئمة الآخرين في الموضوع نفسه.

أما عدم ذكره لعبيد الله فإنه لا يعني أنه فاته هذا الحديث، وأما اعتماده على تفرد موسى الجهني فلكونه قد روى ذلك الحديث، كما أنه لم يورد حديث الليث، وإنما اكتفى بقوله ''وابن جريج وغيره''، ثم روى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت