فأقول: فهم الأستاذ مغلوط، وأسلوبه في التعامل مع نصوص النقاد غير مستقيم. والواقع أن الإمام الدارقطني أتقن عرض الخلاف على نافع بدقة بالغة، لكون هذا العرض في ضوء خلفياته العلمية الواسعة، وكان قصده في كتابه (التتبع) ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما وبيان عللها والصواب منها. كما صرح بذلك في مقدمته. وبالتالي فلا يلزم صاحبه عرض جميع أنواع الاختلاف في هذا الحديث إلا فيما يخص ما أورده الإمام مسلم في صحيحه.
ولما كان الإمام الدارقطني قد اقتصر في كتابه (التتبع) على بيان علة حديث أيوب عن نافع، وحديث ابن عمر بعبارة موجزة ومألوفة لديهم، - دون أن يتطرق لعلل روايات أخرى مما لم يرد في صحيح مسلم- تَوَهَّم الأستاذ أن ذلك تقصير من الإمام الدارقطني ثم دعى له بالمغفرة.
أما حديث ابن جريج فلم يذكره الإمام مسلم في صحيحه، فلا حاجة إذن إلى بيان علته في كتابه (التتبع) ، غير أنه اكتفى بذكر الراجح منه مع حديث الليث. هذا وقد بين الإمام الدارقطني في علله وجوه الاختلاف على ابن جريج في حديث ميمونة، ورجح الحديث الذي خلا من ذكر ابن عباس راويا، كما سبق ترجيحه عن الإمام البخاري. [1]
فما أحسن هذا العرض من الإمام الدارقطني وأتقن طريقته فيه! وما ذنب الإمام المتقن إذا لم يفهمه الأستاذ.
قوله:'' ... فإن ابن جريج مختلف عليه في رواية حديث ميمونة اختلافا كثيرا سيأتي ذكره في محله ... ''
أقول هذه غلطة فاحشة، ومنهج منحرف، وقد رأينا الإمامين البخاري والنسائي آنفا قد رجحا رواية ابن جريج والليث، مع أن البخاري شرح الاختلاف على ابن جريج، ثم جاء الدارقطني واتجه الاتجاه نفسه، إلا أن الأستاذ اتجه اتجاها آخر مغايرا لهم دون فهم القضايا والملابسات التي أثاروها. وإنما نظر فقط إلى ظاهر الرواية وأحوال رواتها، واعتمد على ما صحَّفه بعض النساخ، ولم يأت بشيء جديد في دراسته مما لم يقف عليه هؤلاء الأئمة في مختلف العصور، وإنما ذكر ما أوردوه في كتبهم. ثم اعترض على الدارقطني بقوله:
''إنه لم يتقن عرضه للقضية''.
(1) - وأسلوب الأستاذ غريب، فهو يعتمد على ما ذكره الناقد في كتابه، ولا يرجع إلى ما فصله هذا الناقد في موضع آخر أو كتاب آخر، إذا كان الأستاذ معارضا لرأي ذلك الإمام، وأما إذا كان مدافعا عن رأي إمام فإذا هو أكثر الناس نشاطا في جمع كل ما يتعلق به من الروايات والنصوص كحاطب ليل حتى وإن كانت مصحفة أو أوهاما، وجمعها من خارج الكتاب، ثم يقوي بعضها ببعض أو يفسر بعضها ببعض!.