وحجته في الاعتراض أن الدارقطني لم يبين ما وقع على ابن جريج من الاختلاف الكثير، كما أنه لم يشرح الاختلاف على الليث، وهو أيضا مختلف فيه!
وعلى كل حال يكون معنى هذا الكلام أن الدارقطني أعل حديث ابن عمر لكنه لم يتقن عرضه. أما نحن فلا نزال ننتظر إجابة الأستاذ عن السؤال الذي أثاره في بداية الدراسة وهو: هل اتفق الأئمة على تضعيف حديث ابن عمر؟! ومع ذلك فإن النتائج التي وصل إليها الأستاذ حتى الآن من خلال دراسته السابقة كلها تفيد أنهم أعلوا الحديث، لكن بعضهم لم يستوف الحيثيات، والآخر لم يتقن عرضه للقضية حسب زعمه.
والأستاذ هو الذي لم يتقن عرض المسألة، ولا فهم نصوصهم فيها، على الرغم من وضوحها كالشمس. و في ضوء تصريحه بأن ''ابن جريج مختلف عليه في حديث ميمونة اختلافا كثيرا'' إنني أسأل:
هل يستطيع أن يورد وجها واحدا من الاختلاف على ابن جريج في حديث ميمونة غير هذا الاختلاف الذي ذكره الأئمة حول ذكر ابن عباس؟!
وكيف يدعي أن ابن جريج اختلف عليه في حديث ميمونة اختلافا كثيرا؟!
وهل يريد أن يقول إن هؤلاء الأئمة النقاد قد غفلوا عما وقع في حديث ميمونة من الاختلاف الذي وقف عليه الأستاذ؟!
وما هذه الاختلافات الكثيرة في حديث ميمونة؟! مع أن الاختلاف في حديث ميمونة هو: هل رواه ابن عباس عن ميمونة أم رواه إبراهيم عنها مباشرة، بغض النظر عن مدى الاتصال والانقطاع.
أما النقاد فقد شرحوا هذا الاختلاف بأساليب مختلفة بين إيجاز وتفصيل بحيث يفهمهم أهل العلم. وأين ما زعمه الأستاذ إذن من الاختلاف الذي لم يبينوه؟!!.
وأرجو أن لا ينسى أن من شروط الاضطراب والاختلاف أن يكون الإسناد واحدا من حيث المخرج.
نعم، هناك اختلاف آخر على ابن جريج، وهو في روايته عن عطاء، لكنها رواية أخرى مستقلة لا صلة لها بحديث ميمونة. لذلك، أورد الدارقطني هذا الاختلاف في موضع آخر من علله، وهو مسند أبي هريرة، وسيأتي ذكره في المحور الخامس (إن شاء الله تعالى) . ولا تنس أننا بصدد بيان الاختلاف في حديث ميمونة، كما قال الأستاذ آنفا:''فإن ابن جريج مختلف عليه في رواية حديث ميمونة اختلافا كثيرا سيأتي ذكره ''.
ولكون حديث ابن جريج عن نافع وحديثه عن عطاء روايتين مستقلتين من حيث المخرج، فإن الأئمة لم يتطرقوا في مناسبة حديث ميمونة لذكر الاختلاف على ابن جريج في روايته عن عطاء. وفقنا الله وإياه لفهم منهج المحدثين كما ينبغي. اللهم آمين.
وقول الأستاذ:''وعلى كل فإن مخالفة الليث وابن جريج لا تضر برواية عبيد الله ومن وافقه ... ''
قلت: بل إنها تضر برواية عبيد الله ومن وافقه في نظر الأئمة، كما رأينا ذلك سابقا. وإن دل موقف الأستاذ وأسلوبه في الدراسة والاستنتاج على شيء فإنما يدل على اتساع رقعة التباين المنهجي بينه وبين المحدثين النقاد.
أما قول الدارقطني:''وليس بمحفوظ عن أيوب'' وما يتصل به من قضايا سيأتي بشيء من التفصيل في المحور الرابع (إن شاء الله تعالى) .