أقول: الذي لفت انتباهي هو أن الأستاذ كان مضطربا في الدعوى وغير مستقر في رأيه؛ مرة ينكر إعلال الأئمة لحديث ابن عمر، وفي الوقت ذاته يقره لكن لم يقبل منهم هذا الإعلال، زاعما أن حججهم ضعيفة، أو أنهم لم يستوفوا الأدلة. وعلى الأستاذ أن يحدد دعواه قبل أن يختلق موضعا آخر للنزاع والخلاف بيني وبينه، وقبل أن يفتح جبهة أخرى للجدل والثرثرة.
فماذا يريد أن يقول للقارئ: هل يريد أن ينكر إتفاق الأئمة على تعليل حديث ابن عمر؟! أم يريد القول إن إعلالهم غير مقبول لضعف حججهم أو لعدم استيفائهم الأدلة؟!
فإذا كان الأول هو مقصوده، فإنه قد برهن لنا بدراسته التي تَفَضل بها على أنهم اتفقوا على تعليل حديث ابن عمر، ولم يذكر فيها شيئا يثبت ما يزعمه، وإنما حاول تضعيف حكمهم مع إقراره به. وبالتالي أصبح مقرا بأنه قد سبقني في الإعلال أئمة كبار؛ كالبخاري والنسائي والدارقطني والقاضي عياض.
إذن لماذا أتى بهذه الويلات والأكاذيب والتهم والسباب والشتائم والادعاءات الفارغة والتفسيق والتبديع؟! ولم ضيع أوقاته النفيسة فيما لا طائل تحتها، بل في هدر الأعراض التي حرمها الله تعالى كالدماء والأموال؟!
وإن كان الثاني هو مقصوده فإن دعواه باطلة، لأنه لم يقدم لنا دليلا واحدا يدل عليها، مع أن حججهم كانت قوية ومقنعة وكافية في قبول حكمهم، وما ذنبهم في ذلك إذا لم يكن الأستاذ فاهما لنصوصهم ومنهجهم؟!.
أما الأدلة التي يزعم الأستاذ أن الأئمة لم يستوفوها؛ فهي كلها تتمثل في المتابعات الضعيفة التي تركها الأئمة دون أن يأخذوها بعين الاعتبار، مع علمهم بها، أو تتمثل في خصائص الرواة العلمية التي هم أدرى بها، كما أوضحنا ذلك بشيء من التفصيل.
وحين يزعم الأستاذ بأن الأئمة لم يستوفوا الأدلة، أو أن حججهم ضعيفة، أو أن بعضهم لم يتقن عرض القضية يخيل إلى القارئ أنه يملك من العلم والفهم والإدراك ما ليس عند الأئمة السابقين. لكن العجب العجاب أنه كان يعول في ذلك على ما وقع مصحفا في صحيح مسلم - كما سبق توضيحه - والروايات الضعيفة والشاذة.
إن الأئمة قد اتفقوا على إعلال حديث ابن عمر، وذكروا حجتهم فيه، وهي: أن عبيد الله وموسى الجهني قد خالفا ليث بن سعد وابن جريج، وهذا كاف في إقناع من يشتغل بالحديث بالفهم والدراية، ومع ذلك فقد شرحت سابقا ما يتصل بحقيقة المخالفة والقرائن التي تكمن فيها، كما اتفقوا على أن الليث إنما رواه عن نافع بدون ابن عباس، وأنه لم تثبت في هذا الحديث رواية إبراهيم عن ابن عباس.
لعل من الأفضل أن نتذكر ما قاله ابن الصلاح [1] ، وهذا نصه:
''ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك،
(1) - (مقدمة ابن الصلاح ص: 90)