الصفحة 163 من 454

بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه''.

حتى وإن لم نقف على أدلتهم فيما يتفقون عليه من تصحيح أو تعليل أو جرح وتعديل، فإنه ينبغي علينا أن نقبل قولهم دون استفسار. أما أن نرفض آراءهم زاعمين بأن حججهم ضعيفة أو أنهم لم يستوفوا الأدلة بناء على ظواهر الأسانيد التي لا تخفى على من يشتغل بالحديث، فمجازفة خطيرة.

يقول السخاوي:

'' ... ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر، لا ينكر عليهم، بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة'' [1] .

هذا وقد شرحنا في ضوء الأدلة والبراهين التي لم يأخذها الأستاذ بعين الاعتبار، أن حديث ابن عمر، حين أورده مسلم مع بيان اختلاف رواته على نافع، لم يكن قصده بذلك تصحيحه، ولا أن يقوي به حديث أبي هريرة المتفق على صحته، وإنما لشرح هذا الاختلاف على نافع، وبالتالي أصبح موافقا للنقاد في تركيزه على الاختلاف نفسه، لا معارضا لهم بتصحيح ما أعلوه. ولوجود الاختلاف في حديث ابن عمر لم يورده مسلم في صدر الباب، بل أورده في آخره مع حديث ميمونة لبيان ذلك الاختلاف.

ومن المعلوم أن الحديث الذي اتفق الشيخان عليه أصح مما انفرد به أحدهما، وما بالك إذا كان الحديث الذي انفرد به مسلم معلولا أو مختلفا في صحته على أقل الأحوال، هل يكون هذا الحديث أصح من حديث أبي هريرة؟ كلا.

ومن المعلوم أيضا أن الناقد إذا لم يستوف أدلته على العلة لا يعني أن حكمه باطل ومرفوض، لا سيما إذا توافرت الأدلة المؤيدة لحكمه، وهنا قد وجدنا الأدلة تؤيد حكمهم. وأما الأستاذ فكان اعتماده في معارضته للأئمة على الآتي:

أ - ... السند الذي وقع في نسخة صحيح مسلم مصحفا.

ب - أحوال الرواة ومراتبهم في سلم الجرح والتعديل.

وكان الشيخ يقر في هذه الدراسة بأن الإمام البخاري قد أعل حديث نافع عن ابن عمر، ولكن معارضته كانت في حججه باعتبارها ضعيفة وغير كافية في نظره، إلى جانب كونه لم يستوف جميع الأدلة.

مع أن حجة البخاري في تعليله كانت قوية، وواضحة حين أورد أوجه الاختلاف، وأما ما سرده الأستاذ من المتابعات، فليس لها وزن في نظر النقاد، ليس لأنهم تساهلوا أو أغفلوا تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد، بل لوجود قرائن تدل على أن الذين رووا عن نافع عن ابن عمر ذلك الحديث قد سلكوا جميعا الجادة.

(1) - فتح المغيث 1/ 274

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت