(وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها) .
ويرى الباحث أن هذا الجهد الذي بذله مسلم في اختيار أصح الطرق وأقواها إنما هو لشرح وإيضاح العلل في هذين الحديثين - غفر الله له وسامحه -. هذا الفهم الذي فهمه الأخ حمزة من قول مسلم السابق غير مسلم وغير واقع في هذا الكتاب العظيم، وأبى الله عليه إلا أن يتربع قمة كتب السنة وأن يكون صنو أصح الكتب بعد كتاب الله، ألا وهو صحيح البخاري.
ولو طبقنا عليه القاعدة المذكورة لجاء في مؤخرة كتب السنة، بل جاء في مصاف كتب العلل، ويأبى الله ذلك والمؤمنون وعلى رأسهم أئمة الحديث والسنة وجبال الحفظ والفهم والدراية الذين تلقوه بالقبول، ومنهم من جعله في مستوى صحيح البخاري، ومنهم من يرى أنه التالي للبخاري نظرا لتشدد البخاري في شرطه.
يجب أن نفهم أن الإمام مسلما قد التزم الصحة في كل ما يورده في كتابه الصحيح، وقد بذل كل جهد للوفاء بهذا الشرط. والبراهين على هذا كثيرة في طليعتها تصريحاته بذلك نذكر منها:
أولا: تسميته لهذا الكتاب بالجامع الصحيح لا الجامع المعلل.
ثانيا: روى مسلم حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - في تعليم الناس الصلاة، وذكر فيه زيادة (وإذا قرأ فانصتوا)
فاعترض معترض في إيرادها في صحيحه أن بعض الناس عللها فدار بينهما حوار انتهى فيه مسلم إلى القول: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه (صحيح مسلم 1/ 304، نهاية حديث رقم 63)
والزيادة المذكورة قد انتقدها الإمام يحيى بن معين والإمام البخاري ومن بعدهما أبو داود والدارقطني وابن خزيمة وأبو علي النيسابوري.
ولكن الإمام مسلم [1] (كذا) مجتهد مستقل له رأيه فيها وقناعته بصحتها. [2]
لذا أوردها في صحيحه مع علمه بكلام من سبقه من الأئمة فيها ومع معارضته من عارضه فيها، وعلى هذا الأساس أورد حديث ابن عمر وابن عباس مع علمه بمن انتقدهما.
ثالثا: قال الإمام مسلم - رحمه الله - عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أنه له علة تركته، وكل ما قال: إنه صحيح وليس له علة أخرجته. (صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط ص: 68)
(1) - كان الأستاذ يستدرك علي مثل هذا الخطأ النحوي، فإذا هو يخطئ الخطأ نفسه. مثلا: يقول هنا ''لكن الإمام مسلم '' وهو خطأ والصواب '' لكن الإمام مسلما''، ولذا كتبت كلمة كذا بين القوسين تنبيها إلى خطئه.
(2) - انظر إلى أبي مسعود الدمشقي وهو أحد متتبعي صحيح مسلم مثل الدارقطني، يقول فيما يخص حديث سليمان التيمي الذي رواه مسلم مع ذكر الاختلاف: '' ذكره مسلم ليبين الاختلاف لا أنه يثبته ''.