الصفحة 36 من 454

ومعنى هذا أن الإمام مسلما انتهى به المطاف إلى أن يقدم صحيحه وهو يعتقد أنه خال نظيف من العلل هذا ما يعتقده، وإن كان قد بقي عليه فيه ما يؤخذ عليه وهو نزر يسير لا يخلو من مثله أعمال البشر، غير أن الذي نعتقده أن مسلما لم يقصد أبدا إلى أحاديث يعلم أن فيها عللا فيوردها في صحيحه، ثم يقوم بشرحها وتوضيحها.

رابعا: أن معاصريه من أئمة الحديث في عصره قد استقر في أذهانهم أن مسلما قد التزم الصحة في كل ما يورده في كتابه. وكانوا يوجهون إليه اللوم بناء على هذا الأساس لم رويت عن فلان وفلان ولم ولم؟!

فيسلم لهم أنه التزم الصحة ويبدي لهم أعذارا يقنعهم بسلامة وجهة نظره فيسكتون. (صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط ص: 97)

خامسا: أن الإمام مسلم (كذا) قد صرح في مقدمة كتابه 1/ 4: أنه لم يؤلف كتابه هذا لخاصة الناس أي للمختصين في علم الحديث، وإنما قصد إلى جمع أحاديث صحيحة ليستفيد منها عوام الناس لأنه أدرك أن أمثال هؤلاء لا قدرة لهم على تمييز الصحيح من السقيم.

سادسا: أن الأمة تلقته بالقبول لأنه صنو البخاري في الصحة، لا لأنه وضع لشرح العلل وبيانها، وإلا لكان له شأن آخر وللأمة موقف آخر منه، كأن يضعونه في كتب العلل، وقد ألف الحازمي وابن طاهر في شروط الأئمة الخمسة والستة، ومنها الصحيحان وأقرتهما الأمة على ذلك.

وعلى أساس التزام الصحة وجهت إليه وإلى صحيح البخاري بعض الانتقادات، لأنهما أخلا بشرط الصحة في تلك الأحاديث المنتقدة في نظر من يوجه إليهما النقد، كالدارقطني وأبي سعيد الدمشقي وأبي علي الغساني، ولو كان مسلم التزم القيام بشرح العلل وبيانها في كتابه لما وجدت شيئا من تلك الانتقادات.

أما تلك الجملة التي تعلق بها الباحث، فليس لها أي أثر وليس لها أي تطبيق في صحيح مسلم باعتبارها عللا قادحة.

فتحمل هذه الجملة على أحد أمرين:-

الأول: أن يريد بها العلل غير القادحة، وذلك أن بعض المحدثين يطلق اسم العلة على ما ليس بقادح. انظر مقدمة ابن الصلاح (ص84) والنكت لابن حجر (2/ 771) .

والثاني: أن يكون أعرض عن تطبيق هذه الجملة، والأول أرجح في نظري [1] ولا ثالث لهذين الاحتمالين إلا الالتزام بالصحة في كتابه وهو الواقع.

والدليل على ذلك كل ما قدمناه من أقواله ومواقف الناس في صحيحه وضمهم إياه إلى صحيح البخاري.

وأظن أن الباحث خدع بقول القاضي عياض - رحمه الله - بأن مسلما قد التزم هذا الشرط ووفى به وهو شرح العلل وبيانها وإيضاحها.

(1) - إذن لما تراجع الأستاذ عما في رسالته للماجستير ما دام أن العلة التي شرحها كلها غير قادحة؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت