الصفحة 46 من 454

لذا، ننظر أولا كيف أجاب الإمام الدارقطني في كتابه العلل عندما سئل عن حديث سعيد وأبي سلمة (عن أبي هريرة) [1] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، يقول:

'' يرويه الزهري، واختلف عنه.

(1) فرواه ابن عينية ومعمر وإسماعيل بن أمية وسليمان بن كثير، والموقري عن الزهري عن سعيد وحده عن أبي هريرة.

(2) ورواه إسحاق بن راشد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة. قاله عروة الجرار عن موسى بن أعين عنه.

(3) ورواه الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة والأغر عن أبي هريرة موقوفا، وقال في آخره أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أسنده عن أبي هريرة.

(4) ورواه عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن الزهري عن الأغر وحده عن النبي

صلى الله عليه وسلم مرسلا.

(5) وقال أبو المسور الزهري عن ابن عينية عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة''. انتهى كلام الدارقطني.

هذه هي وجوه الاختلاف التي وردت على الزهري. وعند المقارنة بينها تظهر نقطة الاختلاف في رقم 5،2،1 وهي: كيف روى الزهري هذا الحديث؛

هل عن سعيد بن المسيب وحده عن أبي هريرة؟!

أم رواه جمعا بين سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة؟!

وفيما يخص حديث رقم 4،3

هل رواه الزهري جمعا بين أبي سلمة والأغر؟!

أم رواه عن الأغر وحده مرسلا؟!

ويكون عمل الناقد في مثل هذا الاختلاف أن يبحث عن أسبابه من خلال الملابسات والقرائن ليعرف الثابت عن المحدث من تلك الوجوه المختلفة، دون أن يتخرص بالاحتمال. وإذا ثبت عنده وجه أو أكثر عبر عنه بأنه هو المحفوظ عن ذلك الراوي.

وبعد بيان الاختلاف قال الإمام الدارقطني:

''والمحفوظ عن ابن عيينة عن الزهري عن سعيد وحده عن أبي هريرة، وقول الزبيدي محفوظ أيضا''. وعليه فما رواه إسحاق بن راشد عن الزهري غير ثابت، وكذا ما رواه أبو المسور عن ابن عيينة غير محفوظ. [2]

(1) - وقع فيه (عن أبي سلمة) بدل (عن أبي هريرة) ، وهو تكرار خطأ من ناسخ الكتاب، والصواب ما أثبتناه بين القوسين، بدليل أن الطرق التي أوردها الدارقطني كلها عن أبي هريرة إلا رقم (4) فإنه مرسل. والله أعلم (العلل 3/ 2/124 - 125)

(2) - وقد سبقه الإمام مسلم في تصحيح حديث ابن عيينة والزبيدي حين صدر بهما الباب. انظر كيف اتفق النقاد على معرفة الحق والصواب فيما يحدث به الرواة، ومحل الاتفاق يكون أكثر بالنسبة إليهم، وكيف أصبحت نصوص بعضهم مفسرة لما أجمله الآخرون. لذا فإن جمع نصوص النقاد ليفسر بعضها ببعض، فيما يخص التصحيح والتعليل والجرح والتعديل، يعد من أهم أصول الشرح والتحليل.

الأستاذ يخالف هذا الأصل فيما يخص نصوص من يخالفه، لأنه لو اعتمد هذا المنهج الأصيل لتفسير النصوص لفقد في كتب مخالفيه أو نصوصهم مجال التفسيق والتبديع وهدر الأعراض. أما إذا كان يريد أن يؤيد رأيا فهو أول الناس في تأصيل هذا المنهج!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت