وسبب الترجيح ظاهر، لأن ابن عيينة وافقه جماعة من الثقات، منهم معمر وإسماعيل بن أمية. والذي خالفهم هو إسحاق بن راشد، فجمع في روايته عن الزهري بين سعيد وأبي سلمة، وإسحاق هذا فيه كلام، خاصة في روايته عن الزهري، فالجمع بينهما إذن وهم من إسحاق.
ههنا نقطة مهمة ينبغي الانتباه إليها في هذه المناسبة التي نقرأ فيها قول الدارقطني في نقد هذه الروايات، ألا وهي أن أبا سلمة إنما كان يروي هذا الحديث عن أبي هريرة موقوفا، كما جاءت قصة روايته عند مسلم في رقم (3) . ولذا يكون إسحاق قد تساهل في الرواية، فجعلها مرفوعة.
وقد يستعجل بعض الباحثين نظرهم فيه، فيرون أن الزهري رواه عن سعيد وعن أبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة، دون أن ينتبه إلى نقطة الاختلاف بينهما. وفي مثل هذه المناسبات يظهر أن إسحاق بن راشد، وكذا أبو مسور، لم يكونا على مستوى مطلوب من الإتقان والضبط في نقل الأحاديث ومخالفتهما للثقات تدل على تساهلهما في الرواية.
وأما الزبيدي فقد نقله عن الزهري كما سمعه منه دون أدنى تغيير عند الرواية. وتدل القصة التي حكاها بالتفصيل على مدى تيقظه لما سمعه من الزهري. إلى جانب هذا فقد تابعه محمد بن عمرو، كما بين ذلك الدارقطني.
ومن خلال تتبع نصوص الإمام الدارقطني تبين أن رأي الإمام مسلم كان في غاية من الدقة؛ إذ أخرجه مسلم في أول الباب من طريق معمر وابن عيينة عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، حيث إنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم نر أحدا من النقاد قد اعترض على صحته.
ثم أخرج ثانيا من طريق الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة، حيث إنه صحيح أيضا. لكن روايتهما عنه مرفوعا إنما كانت بواسطة عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وابن قارظ هذا دون سعيد بن المسيب راوي الحديث الأول، ثم إن إسناده أنزل من الحديث الأول، مع أن مسلما قد رواه من طريق عيسى بن المنذر وهو متكلم فيه.
والواقع أن الإمام مسلما (رحمه الله تعالى) لا يورد أحاديث أمثال عيسى بن المنذر في صحيحه ـ حتى في المتابعات ـ إلا بعد الانتقاء منها، وبعد تأكده من صحتها. هذا وقد وجدنا متابعا له فيما أورده الإمام الدارقطني في علله [1] ، إذ رواه من طريق محمد بن عوف بن الوليد عن محمد بن حرب بإسناده ومتنه.
(1) - العلل 3/ 2/125/ ب