الصفحة 49 من 454

هذا وقد سبق الإمام الدارقطني الإمام البخاري في التاريخ الكبير [1] ؛ إذ قال بترجيح رواية ابن جريج والليث عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة، بعد أن ذكر وجوه الاختلاف على نافع، كما أنه صرح بأن ذكر ابن عباس في رواية ابن جريج لا يصح.

وفي ضوء نصوص الإمام الدارقطني، والإمام البخاري، حول ملابسات رواية نافع تبين جليا أن رواية عبيد الله وموسى الجهني عن نافع عن ابن عمر تعد مخالفة لرواية الليث وابن جريج عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة، وبالتالي لا تكون روايتهما خالية من الشذوذ والعلة، كما يفهم ذلك أيضا من صنيع الإمام مسلم؛ إذ أوردها في أواخر الباب شارحا لوجوه الاختلاف على نافع. وإلا لذكر رواية عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، ورواية موسى الجهني عن نافع عن ابن عمر، وكذلك رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر في صدر الباب كعادته، وكما وعد في المقدمة؛ لشهرة سلسلة هذه الأسانيد وعلوّها.

وعلى كل حال فهذا الترتيب يفيد أن الإمام مسلما كان مدركا لعلة حديث ابن عمر، كما أدركها غيره من النقاد، ثم تعامل معه في الصحيح على هذا الأساس، بل قام بشرح علته عند ذكره، وذلك بذكر الوجوه المختلفة على نافع الذي هو مدار هذا الحديث [2] .

ألا ترى الإمام الدارقطني لم يذكر في التتبع سوى ما أورده مسلم من الروايات!. ومن المعلوم أن كتابه التتبع إنما وضعه لبيان العلة فيما رواه كل من البخاري ومسلم. وبذكر الدارقطني هذه الروايات كما أوردها مسلم ولم يزد فيها سوى رواية ابن جريج، فهم العلماء أن الدارقطني شرح علتها. وعلى هذا الأساس جاء الشيخ ربيع ليذكر في كتابه (بين الإمامين) حديث ابن عمر ضمن الأحاديث المنتقدة من طرف الدارقطني.

أما طريق الحديث (رقم 9) ، وهو: ''وحدثناه ابن أبي عمر حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر''، فقد قال الإمام الدارقطني: ''وليس بمحفوظ عن أيوب'' [3] .

وبعد أن اتضح لنا جليا دقة الإمام مسلم (رحمه الله تعالى) في ترتيب أحاديث باب فضل الصلاة في المسجد النبوي، وشرحه لعلة حديث ابن عمر على سبيل الاستطراد، وبعد أن سمعنا رأي الإمام البخاري والدارقطني حول ملابسات حديث نافع عن ابن عمر، وكذا في حديث معمر عن أيوب، يحسن بنا أن نجيب عن الشبهات التي أثارها الأستاذ.

الشبهة الأولى والإجابة عنها

يتوهم القارئ مما عرضه الأستاذ أن الإمام مسلما قد أفرد باب فضل الصلاة في المسجد النبوي لبيان العلل فيما روي عن ابن عمر وميمونة من حديث فضل الصلاة في المسجد النبوي.

(2) - أرجو أن ينتبه الأستاذ هنا إلى أننا عرفنا علة الحديث من خلال نصوص النقاد، وليس من خلال التقديم والتأخير.

(3) - التتبع ص: 297، سيأتي (إن شاء الله تعالى) حديث خاص حول قول الدارقطني في النقطة الرابعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت