وليس الأمر كذلك، بل أورد مسلم في صدر هذا الباب حديث أبي هريرة من طرق صحيحة، وجعله أصل الباب، ثم أورد حديث ابن عمر من طرق أعلها النقاد؛ كالبخاري والنسائي والدارقطني لافتا الانتباه إلى أنه أدرك فيها ما أدركه غيره من الأئمة النقاد من الاختلاف.
ولو أفرد مسلم هذا الباب بهذه الروايات المعلولة دون الأخرى، لفهمنا أنه أوردها على سبيل التصحيح والاعتماد، وأنه لا يوافق غيره من النقاد على تعليلها، ولا مجال للقول إذن إنه أوردها لبيان العلة، لأن المقصود من كتابه هو ذكر الأحاديث الصحيحة.
والواقع أن الإمام مسلما صدر الباب بحديث أبي هريرة الذي لا يختلف في صحته أحد من النقاد ثم أتى بحديث ابن عمر من طرق مختلفة، دون أن يصدر بها الباب، على الرغم من تميزها بالعلوّ، وشهرة رواتها. ومن المعلوم أن علو الأسانيد مما يهتم به المحدثون قاطبة، وفي طليعتهم الإمام مسلم. [1]
الشبهة الثانية والإجابة عنها
ومن هنا يجب أن نفهم أن الأصحية لا تتوقف على أحوال الرواة وحدها في منهج المحدثين، وإنما تتوقف أساسا على مدى سلامته من شذوذ وعلة، ثم على تميزه بخصائص إسنادية، من أهمها ''العلو'' بمختلف معاييره، وهنا يتبين حجم الفارق العلمي بين الباحثين المعاصرين والنقاد القدامى.
إذن إعلان الأستاذ أن هذه الطرق في القمة من الصحة، ومعظمها من الطبقة الأولى من شرطه يكون في غير محله، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أنه سلك طريقة غير طريقة المحدثين النقاد في معرفة صحة الحديث، وفي محاكمته بين الإمامين أو الموازنة بينهما.
وكأن الرجل ظن أن عمل المحاكمة أو الموازنة بين الإمامين أمر ميسر يتم القيام به من خلال معرفة أحوال الرواة وطبقاتهم العلمية من كتاب الحافظ ابن حجر (التقريب) أو غيره من كتب التراجم!.
ما هكذا تورد يا سعد الإبل!
ومن الجدير بالذكر أن الحديث لا يصحح ولا يضعف بناء على أحول الرواة وحدها في منهج المحدثين النقاد، وإنما على شروط أخرى تضمنها تعريف الصحيح؛ ومن أهمها سلامة الحديث من شذوذ وعلة، سواء رواه ثقة أو إمام، وهذا ما ينبغي فهمه وإفهامه للطلبة في مقرر علوم الحديث.
يقول الحافظ ابن حجر: ''فقد قررنا أن مدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل''اهـ [2] .
(1) - جاء في تدريب الراوي (1/>98) أن أبا زرعة أنكر على مسلم روايته عن أسباط بن نصر وقطن وأحمد بن عيسى المصري فقال: إنما أدخلت من حديثهم ما رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية أوثق منه بنزول فأقتصر على ذلك. وجاء في سير أعلام النبلاء 11/ 418): قال ابراهيم بن أبي طالب قلت لمسلم كيف استجزت الرواية عن سويد في الصحيح؟!! قال: فمن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة. (سير أعلم النبلاء 11/ 418) يعني آثر مسلم رواية حديث حفص بن ميسرة من طريق سويد بن سعيد المتكلم فيه على روايته من طريق الثقات لعلوه. وقد بينا أهمية العلو عند المحدثين في كتاب عبقرية الإمام مسلم.
(2) - هدي الساري ص 11