وهو بذاته يستفاد من تعريف الصحيح:''ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة''.
لكن للأسف الشديد إن كثيرا من المعاصرين يعتمدون أحوال الرواة في التصحيح والتضعيف، بل يعارضون النقاد بحجة (كم ترك الأول للآخر) ، وهذا في الواقع انحراف منهجي، بل انحراف سلوكي يجب العمل على تصحيحهما في آن واحد، ولا ينبغي التساهل في ذلك.
فلما كان الأستاذ قد سلك في ذلك هذا المسلك السهل اندفع مغرورا إلى إعلانه بأن ما أورده مسلم في آخر ذلك الباب من الروايات في القمة من الصحة.
وقبل أن يشاغب كان عليه أن يتأكد من مدى استيفاء تلك الروايات شروط الصحيح، ومن أهم هذه الشروط سلامتها من شذوذ وعلة كما سبق. أما طريق عبيد الله وموسى الجهني وأيوب فلم تخل من علة المخالفة التي أعل بها الإمام البخاري والدارقطني، والدارقطني وحده بالنسبة إلى رواية أيوب.
ومن العجب أن الأستاذ الذي نصب نفسه للموازنة بين الإمامين لم يكن فاهما مغزى ما شرحه مسلم من نقطة الاختلاف على نافع، بل لم يفهم نصوص الإمام البخاري والدارقطني حول تلك النقطة، وكيف يفهمها، وهو لا يملك في هذه الموازنة سوى النظر في مراتب الرواة المبينة في كتاب التقريب!.
وقد سبق أن ذكرت أن الأستاذ بمنهجه السطحي يرى أن تلك الطرق التي أوردها مسلم لبيان الاختلاف على نافع إنما هي متابعات وشواهد! وهي عند النقاد وجوه الاختلاف والاضطراب التي تقتضي الترجيح فيها أو الجمع بينها على منهجهم وليس على منهج الفقهاء والأصوليين. [1]
إن سلامة الحديث من الشذوذ والعلة شرط من شروط الصحيح لدى جميع النقاد، ومنهم الإمام مسلم رحمه الله تعالى، فقد قال الحافظ أبو الفضل المقدسى:
''فاعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غيرمقطوع .. '' اهـ [2] .
وأين في حديث ابن عمر اتفاق الرواة؟! وقد رأينا في صحيح مسلم اختلافهم على نافع، ثم وجدنا الأئمة؛ البخاري والنسائي والدارقطني قد أعلوه بناء على الاختلاف نفسه. إذن كيف يدعي الأستاذ أن هذه الروايات من الطبقة الأولى من شرطه؟!.
نعم إن نسخة '' عبيد الله عن نافع عن ابن عمر''، ونسخة '' أيوب عن نافع عن ابن عمر'' من أصح الأسانيد، وعليه جرى الإمام مسلم (رحمه الله) في صحيحه، لكن ليس معناها أن كل حديث جاء عنها
(1) - غير أن الأستاذ أخذ يزعم مغترا بدراسته السطحية أنه هو الذي يخدم السنة، وأن محاوره الذي يؤيد رأي المحدثين النقاد ويدافع عن منهجهم في النقد أصبح هادم السنة ومضيعها!!.
(2) - شروط الأئمة الستة. ص: 13