صحيح، وإنما معنى ذلك أن الأحاديث التي وردت عنها أكثرها صحيحة، وأن الأخطاء التي وقعت فيها قليلة نسبيا، وإلا فالإنسان غير معصوم من الأوهام، وكلما يكون الإنسان قليل الوهم والخطأ يكون أوثق الناس وأضبطهم. ومن ينكر أوهام الإمام مالك وشعبة والثوري وعبيد الله وغيرهم من الجهابذة؟! لكن لقلة أوهامهم نسبيا صاروا كبار أئمة الحديث الثقات، كما لا يخفى على من له أدنى صلة بكتب الرجال والمصطلح.
وأذكر هنا بعض الأمثلة لوقوع الوهم من الجهابذ:
روى الإمام أحمد [1] عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: حدث سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس. فقال يحيى القطان للثوري: تعست، يا أبا عبد الله!. أي عثرت.
فقال: كيف هو؟!
فقلت: حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عن أبي الجراح، عن أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: صدقت.
وقال الحافظ ابن حجر تعقيبا على هذه القصة:
''وقد اشتمل هذا الخبر على عظم دين الثوري وتواضعه وإنصافه، وعلى قوة حافظة تلميذه القطان وجرأته على شيخه حتى خاطبه بذلك ونبهه على عثوره، حيث سلك الجادة، لأن جل رواية نافع هي عن ابن عمر، فكان قول الذي يسلك غيرها - إذا كان ضابطا - أرجح'' [2] .
انظر يا أخي الكريم - رحمك الله -! كيف ترى الحافظ ابن حجر يدافع عن منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتعليل؟! دون أن يغتر بكون رواة ذلك الحديث المعلول من السلسلة الذهبية. وإن كان هذا مقبولا من الحافظ ابن حجر فينبغي أن يكون ما قاله البخاري والدارقطني في حديث ابن عمر أجدر بالقبول والاحترام والدفاع؛ إذ لا خلاف بين الحديثين، وبين الأسلوبين.
لعل القارئ قد استفاد من هذا المثال أن التصحيح والتعليل ليسا تابعين لأحوال الرواة. وإن كان الشيخ ممن يعتقد أن العلة تختص برواية الثقات، فلماذا إذن يبحث الآن عن ضعف الراوي ليقبل علة حديث ابن عمر التي اتفق عليها هؤلاء الأئمة النقاد؟!
هذا مثال ثان: يقول الحافظ ابن حجر:
''وكذا يحيى القطان بشعبة، حيث حدثوه عنه بحديث (لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر) ، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وقال (يحيى) حدثنا به سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن ابن مسعود، وهذا هو الصواب، ولا يتأتى ليحيى أن يحكم على شعبة بالخطأ إلا بعد أن يتيقن الصواب في غير روايته''.
(1) - مسند الإمام أحمد 6/ 426، وكتاب الإرشاد للخليلي 1/ 236
(2) - نقله السخاوي في فتح المغيث 1/ 279