ويقول الحافظ متسائلا:
'' فأين هذا ممن يستروح، فيقول مثلا: يحتمل أن يكون عند أبي إسحاق على الوجهين، فحدث به كل مرة على أحدهما؟! وهذا الاحتمال بعيد عن التحقيق، إلا إن جاءت رواية عن الحارث بجمعهما، ومدار الأمر عند أئمة هذا الفن على ما تقوى في الظن. وأما الاحتمال المرجوح فلا تعويل عندهم عليه'' اهـ [1]
وهاك مثالا آخر:
قال بسر بن سعيد: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله فذكر الحديث. قال ابن عبد البر: هكذا رواه ابن عيينة مقلوبا، أخرجه ابن أبي خيثمة عن أبيه عن ابن عيينة. ثم قال ابن أبي خيثمة: سئل عنه يحيى بن معين، فقال: هو خطأ، إنما هو أرسلني زيد إلى أبي جهيم كما قال مالك. وتعقب ذلك ابن القطان الفاسي المغربي، فقال: ليس خطأ ابن عيينة فيه بمتعين لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسرا إلى زيد وبعثه زيد إلى أبي جهيم يستثبت كل واحد منهما ما عند الآخر.
فجاء تعقيب الحافظ على ابن القطان الفاسي فقال:
''تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا قالوا أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال فيعتمد ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ''.اهـ [2]
هذا هو منهج المحدثين في التصحيح والتضعيف، وليس المعيار فيهما هو ما اعتمده الأستاذ من أحوال الرواة في المحاكمة بين الإمامين، وهذا استرواح منه، كما وصف به الحافظ ابن حجر كل من يرد قول النقاد اعتمادا على ظواهر السند.
وعلى كل فإن صحة الحديث تتوقف على أمور ثلاثة: الإتقان والاتصال والخلو من العلة، فضلا عن الحكم بأنه في القمة من الصحة.
ولهذا قال الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) :
'' ... لأنه (يعني مسلما) ينتقي من أحاديث هذا الضرب (يعني سيئ الحفظ) ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة، ومن ضعف جميع حديث سيئ الحفظ، فالأولى طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية طريقة ابن حزم وأشكاله'' [3] .
ولذا قال الحافظ:
'' ... ولا يلزم من كون رجال الإسناد من رجال الصحيح أن يكون الحديث الوارد به صحيحا لاحتمال أن يكون فيه شذوذ أو علة '' [4] .
(1) - المصدر السابق.
(2) - فتح الباري 1/ 585
(3) - زاد المعاد 1/ 96
(4) - النكت 1/ 274