وقال الحافظ المزي والزيلعي:
'' .... إذ ليس كل حديث احتج براويه في الصحيح يكون صحيحا؛ إذ لا يلزم من كون راويه محتجا به في الصحيح أن يكون كل حديث وجدناه له يكون صحيحا على شرط صاحب ذلك الصحيح لاحتمال فقد شرط من شروط ذلك الحافظ كما قدمناه.''اهـ [1]
فأصبح الأمر واضحا مثل الشمس أن معنى قولهم إن فلانا ثقة، أو فلان في الطبقة الأولى من الصحة أن أكثر أحاديثه جاءت صحيحة. وليس معناه:''أن كل ما يرويه من الأحاديث يكون صحيحا، أو يكون في الطبقة الأولى من الصحة''. فإن خلو الحديث من علة شرط في صحته، إضافة إلى الإتقان والاتصال أيا كان راويه إلا أن يكون متروكا.
الشبهة الثالثة والإجابة عنها
أما إخراج الإمام مسلم حديث عبيد الله ومن بعده هنا خارج الأصول، ومقصود كتابه، بخلاف عادته في الترتيب، مع ذكر الاختلاف على نافع فلم يكن على سبيل الاحتجاج والتصحيح، بل على سبيل بيان العلة. والحديث الذي اعتمده الإمام مسلم (رحمه الله تعالى) وجعله أصل الباب هو حديث أبي هريرة الذي لم يختلف في صحته أحد من النقاد، كما بينت سابقا.
وعلى هذا فإن ذكر حديث عبيد الله ومن بعده في صحيح مسلم على تلك الصورة لا يكون دليلا على أنه (رحمه الله) يرى صحته، بل دليل على أنه أدرك العلة في روايتهم. أو قل إن مسلما رتب هذه الطرق بتقديم الأصح فالأصح، وعليه فحديث أبي هريرة أصح من حديث ابن عمر عند مسلم، والأمر كذلك، لكن الأستاذ يرى خلاف ذلك.
وفي ضوء ما سبق من التوضيح فإن قول الشيخ'' هذه الطرق هي في القمة من الصحة، ومعظمها من الطبقة الأولى من شرطه''، يشكل نقطة تباين بين منهج الأستاذ في فهم درجة الحديث وبين منهج المحدثين النقاد. وإن كان الشيخ ينهج منهجا سهلا في التصحيح والتضعيف؛ يضعف إذا كان الراوي ضعيفا، ويصحح إذا كان ثقة، ويقوي الحديث بالشواهد والمتابعات إذا لم يكن فيها متروك، فإن النقاد ينهجون منهجا علميا دقيقا يتمثل في تركيزهم على مدى سلامة الحديث من شذوذ وعلة أي من مخالفة أو تفرد بما ليس له أصل، أيا كان الراوي حتى وإن كان إماما.
وقد توافرت نصوص صريحة عن كثير من المتأخرين أن الحكم على الحديث ليس تابعا لأحوال الرواة، وإذا تتبعت أعمال النقاد وجدتها تدل على ذلك، ومع ذلك فإن موقف الأستاذ أصبح مما ينسف منهج المحدثين النقاد نسفا، ويؤدي إلى طمس معالمه، سواء علم ذلك أم لم يعلم.
واللافت للانتباه أنه تقرر في كتب المصطلح أن ميدان وقوع العلة أحاديث الثقات، وأن كشفها لن يتم إلا لنقاد الحديث، وفيما أظن أن الأستاذ ممن يعتقد ذلك، لكنه هنا ألغى الحكم الذي صدر من النقاد، لا لشيء سوى أن الرواة ثقات، وأنه لم يفهم حيثياتهم في التعليل، أو أنهم لم يذكروها مستوفية!
(1) - نقله في قواعد التحديث ص198