ولما ذكر الأستاذ جميع ما عنده من الخلفيات بعد شغبه على القراء وجدت المثل يصدق عليه ''تمخض الجبل فولد فأرا''؛ فإن كل ما لديه من الخلفية العلمية التي سردها لمعرفة حكم هذا الحديث هي أحوال رواته ورتبهم في سلم الجرح والتعديل، مستفيدا كل ذلك من تقريب التهذيب.
وعلى هذا فكيف يوفق الشيخ بين تعريف الصحيح، وبين عمله في تصحيح هذا الحديث، متحديا الأئمة النقاد الذين أعلوه؟!! فإنه بصنيعه في التصحيح يعلن أن الصحيح هو ما رواه الثقات، يعني أنه يرى الأحكام تابعة لأحوال الرواة. لكن حسب تعريف الصحيح وغيره لا تكون الأحكام تابعة لها.
إن كان الأستاذ لا يملك في التصحيح والتضعيف إلا النظر في كتب التراجم لمعرفة أحوال الرواة فعليه أن يقبل من البخاري والنسائي والدارقطني ما صدر منهم من الإعلال، وأما ما أشكل عليه من صنيع الإمام مسلم في ذكر الحديث المعل من قبل الأئمة النقاد فله أن يتركه لغيره من الباحثين.
المغالطة الثانية: زعمه أني ضعفت حديث ابن عمر
أما المغالطة الثانية فتتمثل في فهم الأستاذ أنني ضعفت حديث ابن عمر مستفيدا من قول الإمام مسلم: ''وسنزيد إن شاء الله شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى'' اهـ [1] . ذلك لأني لم أضعف هذا الحديث بناء على هذا النص. وإنما كنت مؤيدا للنقاد: البخاري والنسائي والدارقطني، حين رأيت الأستاذ يتخبط في فهم نصوصهم في التعليل. وأما نص الإمام مسلم فإني أتيت به لبيان سبب إيراده لهذه الروايات المعلولة في صحيحه، وليس لتعليلها [2] .
هذا وقد سبقني الأستاذ في تطبيق تلك الجملة في مواضع كثيرة من كتابه (بين الإمامين) تأييدا لصنيع مسلم في إيراد الروايات المعللة في صحيحه، كما عول عليها الشيخ مقبل (رحمه الله) في تحقيقه لكتاب الإلزامات والتتبع.
إن كان الأستاذ قد تراجع عن ذلك بعد سنوات عدة حين ألزمته قبول التناقض بينه وبين ما هاجمني به، فإن غيره من العلماء الأفاضل منهم الشيخ مقبل (رحمه الله تعالى) ظلوا على رأيهم دون أن يسجل عنهم ما يدل على تراجعهم عنه.
وهذا الحافظ المعروف برشيد الدين العطار كان يبرر ساحة مسلم في ذكر الأحاديث المنقطعة في الصحيح بقوله: ''لينبه على الاختلاف'' [3] .
إذن لست وحدي في هذا الموقف.
(1) - مقدمة صحيح مسلم مع شرح النووي 1/ 59
(2) - يأتي الكلام حول ذلك في موضعه (إن شاء الله تعالى) .
(3) - ذكر ذلك في مواطن كثيرة في كتابه (غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة) . انظر الصفحات: 211، 218، 219، 238، 253، 321، 284، 292، 297.