الصفحة 56 من 454

في ضوء ما سبق فذكر قول الإمام مسلم في هذه المناسبة لم يكن إلا لتبرير ساحة مسلم في روايته لهذا الحديث في صحيحه، حيث إنه قد التزم شرح العلل في بعض المواضع من الكتاب استطرادا، وبالتالي يكون هذا الحديث نموذجا لذلك الذي التزمه مسلم، ولا يدعو ذلك إلى الاستغراب.

غير أن الأستاذ حاول أن يوهم القارئ بأن هذا النص لا صلة له بشرح مثل هذه العلل، حين قال: إن قول الإمام مسلم يحتمل أمرين:

الأول: أنه يشرح العلل غير القادحة.

والثاني: أنه أعرض عن تطبيقه لشرح العلل. لكن الراجح الأمر الأول.

أقول: إن قول الإمام مسلم: ''وسنزيد إن شاء الله شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى'' اهـ [1] يفيد بدلالته اللغوية التي يفهمها كل عربي وأعجمي: أن الإمام مسلما سيذكر في كتابه الصحيح المزيد مما شرحه وأوضحه قبل في سياق كلامه.

وإذا نظرنا فيما سبق هذا النص وجدناه يشرح ما يتصل بعلامة المنكر في حديث المحدث مع الأمثلة، إذن معنى هذه الجملة أن الذي سيشرحه في مواضع من صحيحه هو ما يتصل بالمنكر [2] وغيره.

(1) - مقدمة صحيح مسلم مع شرح النووي 1/ 59

(2) - المنكر هنا هو ما شرحه الإمام مسلم قبل هذا الكلام، هو كل حديث خالف الراجح، سواء رواه ثقة أم رواه صدوق أم رواه ضعيف مقبول، وهذه المخالفة هي علامة المنكر في حديث المحدث، وكلمة (المحدث) أعم من الثقة والصدوق والضعيف. وليس المقصود هنا هو ما اصطلح عليه المتأخرون.

و فيما يأتي نص الإمام مسلم أنقله بكامله ليقف القارئ على مناسبة قوله (وسنزيد إن شاء الله شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب .. )

''وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث وغير مقبوله ولا مستعمله.

فمن هذا الضرب من المحدثين عبد الله بن محرر و يحيى بن أبي أنيسة والجراح بن المنهال أبو العطوف وعباد بن كثير وحسين بن عبد الله بن ضميرة وعمر بن صهبان ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به، لأن حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته.

فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره أو لمثل هشام بن عروة وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك. قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره. فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس. والله أعلم''

''قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم ووفق لها، وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى. (صحيح مسلم 1/ 59)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت