الصفحة 58 من 454

'' ومن عادة البخاري (يعني في صحيحه) أنه إذا كان في بعض الأسانيد التي يحتج بها خلاف على بعض رواتها ساق الطريق الراجحة عنده مسندة متصلة، وعلق الطريق الأخرى إشعارا بأن هذا الاختلاف لا يضر، لأنه إما أن يكون للراوي فيه طريقان، فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، فلا يكون ذلك اختلافا يلزم منه اضطراب يوجب الضعف، وإما أن لا يكون له فيه إلا طريق واحدة، والذي أتى عنه بالطريق الأخرى واهم عليه، ولا يضر الطريق الصحيحة الراجحة وجود الطريق الضعيفة المرجوحة. والله أعلم'' [1]

قوله: ''وعلق الطريق الأخرى إشعارا بأن هذا الاختلاف لا يضر''. معناه أن الإرسال لم يضر في صحة المسند الذي اعتمده البخاري. فذكره الرواية المرسلة في الصحيح ليس لغرض الاعتماد، وإنما لغرض آخر، وهو: إفادة أنه قد وقف على هذا الاختلاف، وأن المسند صحيح لم يؤثر الإرسال في صحته.

وبذلك تبين أن إطلاق الأستاذ بأن البخاري ومسلم قد التزما الصحة في كل ما يوردانه في كتابيهما، غير صحيح.

وقال في موضع آخر من كتابه (النكت) :

''ومنها ما يشير صاحب الصحيح إلى علته كحديث يرويه مسندا ثم يشير إلى أنه يروى مرسلا فذلك مصير منه إلى ترجيح رواية من أسنده على من أرسله''. [2]

(1) - النكت 1/ 362 - 367

(2) - المصدر السابق 1/ 269، وعلق عليه الأستاذ في كتابه منهج مسلم ص: 43 بقوله:

'' أولا: عد إلى ما قرره الحافظ سابقا بشأن الصحيحين.

وثانيا: هذا قد يفعله البخاري رحمه الله. أما مسلم فلا يفعله لأن البخاري له مقاصد فقهية وغيرها فيورد الآيات وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم ويختصر الأسانيد بالتعليق ويختصر المتون من أجل أهدافه الفقهية وكل من هذا أو ذاك لا يورده إلا للاحتجاج أو للاستشهاد أما أن يسوق البخاري أو مسلم حديثا من طريق أو من طرق صحيحة لبيان ما فيها من علل فهذا ما لا يجوز أن ينسبه إليهما مسلم يؤمن بالله ويخشاه وهذا ولله الحمد لم يقله أحد من علماء الحديث منذ ألف الشيخان كتابيهما إلى يومنا هذا''.

أقول: في قوله هذا مغالطات؛

منها: قوله: '' هذا قد يفعله البخاري'' إقرار منه أن البخاري يشير إلى علة الحديث بروايته مسندا ومرسلا. وبالتالي أصبح قوله '' عد إلى ما قرره الحافظ سابقا بشأن الصحيحين '' في غير محله.

ومنها: قوله إن مسلما لا يفعل ذلك، وأما البخاري فله أغراض فقهية.

أسأل: ما علاقة الأغراض الفقهية بتنبيه البخاري على علة الحديث، الذي ذكره الحافظ ثم أقره الأستاذ؟

نعم ما سرده الأستاذ من تقطيع الحديث واختصاره وذكر الآيات والآثار يفعله البخاري لأغراض فقهية، وهذا موضوع آخر يختلف فيه عن مسلم. لكنهما يتفقان في موضوع الصحيح والتزامهما الصحة في الكتابين، وبالتالي يشتركان في الأغراض النقدية، والاهتمام بالإشارة إلى أن ما ذكراه من الأحاديث لا يضر صحتها ما جاء في بعض الطرق من اختلاف. ويشرحان ذلك على سبيل الاستطراد كما قال الحافظ.

ومنها: قوله: ''هذا قد يفعله البخاري''. وأنا أقول: وكذلك الإمام مسلم.

ومنها: أنه لم يقل أحد أن الشيخين يوردان الحديث بطرق صحيحة لبيان العلة، كيف تكون الطرق صحيحة وفي الوقت ذاته تكون فيها علة؟! هذا من الأفكار السطحية. ولو قال: بطرق من رواية الثقات لكان أسلم.

وأخيرا تبين جليا أن الأستاذ لم يستطع أن ينكر ما قد يفعله البخاري ومسلم على سبيل الاستطراد من الإشارة إلى علة الحديث بذكر الوجه المعلول مع الوجه الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت