الصفحة 59 من 454

وأذكر هنا بعض النماذج مما ذكره الحافظ ابن حجر (رحمه الله) في هدي الساري عندما أجاب عن تتبع الإمام الدارقطني وغيره في بعض أحاديث صحيح البخاري، الأمر الذي يجعلنا نجزم بأن الحافظ كان يعتقد أن البخاري يذكر بعض الروايات في صحيحه لبيان الاختلاف والاضطراب. وبما أن الناس قد فهموا أن ذلك البيان كان على سبيل الاستطراد لم يتهموا الحافظ بأنه جعل صحيح البخاري في مصاف كتب العلل.

وكان فيما أجاب به الحافظ رحمه الله قوله:

''ومقتضاه صحة ما اختاره البخاري واعتمده من رواية الأعمش على أن البخاري لم يهمل حكاية الخلاف بل حكاها عقب حديث الثوري. والله أعلم'' [1]

ومنه أيضا قوله:

(1) - الهدي في ص: 358 الحديث الثالث و العشرون. علق عليه الأستاذ بقوله: ''أما قصد البخاري فهو تأييد الحديث المتصل بالحديث المعلق بناء على التزامه الصحة، وقصده إثبات سماع أبي عطية من عائشة كما أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح، وعلى أن المعلق بصيغة الجزم يكون صحيحا. وأما رأي الحافظ فاختلف فيه فقال في المقدمة ما نقله المليباري، وقال في الفتح 3/ 411 وهو رأيه الأخير وهو الحق: ''والطريقان محفوظان وهو محمول على أن للأعمش فيه شيخين ''. ويؤيد رأيه هذا أن الإمام يحيى بن سعيد القطان قد تابع شعبة. اهـ (منهج مسلم ص: 38 - 39)

أقول: على تعليقه هذا عدة مؤاخذات.

أولا: وجه استدلالي هنا أن الحافظ كان يعتقد أن البخاري يذكر استطرادا الروايات المعللة للإشارة إلى علتها، وقد تحقق ذلك بالمثال الذي ذكرنا من الهدي، ورأيه في الفتح لم يفد تراجعه عن هذا الاعتقاد، وإنما افاد تغير رأيه حول صحة الحديث. ولو تغير رأيه فعلا في منهج البخاري في ذلك لصرح بذلك. بل كان مستمرا عليه بدليل قوله في النكت.

على أن رأي الحافظ في الفتح لم يكن سديدا في ضوء منهج النقد، وما قاله في المقدمة هو الصواب، وليس كل ما تأخر يكون أصح مما تقدم، وهذه ليست قاعدة مطردة.

والدليل على صواب رأيه في المقدمة أن ابن أبي حاتم أعل رواية شعبة كما قال الحافظ، لكن الأستاذ لم ينقله مع أنه مذكور في الفتح. ولو وقع مني ذلك لشغب به الأستاذ. والحافظ لم يرده إلا بقوله: ''والطريقان محفوظان وهو محمول على أن للأعمش فيه شيخين'' من غير أن يذكر قرينة على ذلك.

ثم إن سفيان الثوري له متابعات من أبي معاوية ومحمد بن فضيل وابن نمير وأبي خالد الأحمر (انظر البخاري والمسند 6/ 32، 181، 320، ومصنف ابن أبي شيبة 3/ 204) . أما شعبة فلم أجد له متابعة حسب تتبعي، وقد ادعى الأستاذ متابعة يحيى بن سعيد له، ولم يذكر مصدره. ولو وقع هذا من خصمه لاهتم الأستاذ بإثارته.

ثانيا: قوله: إن المعلق بصيغة الجزم يكون صحيحا '' فهو غريب، إذ لا يفيد الجزم صحة الحديث مطلقا، وإنما يفيد فقط صحته عن شعبة. ونحن هنا بصدد الإشكال حول قول شعبة.

ثالثا: قوله: إن قصد البخاري هو تأييد الحديث المتصل بالحديث المعلق'' غريب أيضا، كيف يكون مؤيدا، وسفيان يقول عن الأعمش عن عمارة، ويقول شعبة عن خيثمة. فأين هذا التأييد؟

رابعا: أما إفادة إثبات سماع أبي عطية من عائشة، فهذا لا يعني أنه ليس للبخاري غرض آخر. بل له غرض آخر، وهو كما قال الحافظ: حكاية الخلاف على الأعمش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت