''إنما أخرج البخاري حديث مالك إثر حديث محمد بن عمرو بن حلحة ليبين موضع الخلاف فيه''. [1]
ومنه أيضا قوله:
''وقد أشار البخاري إلى الاختلاف فيه على عبيد الله وعلى سعيد فلا استدراك عليه''. [2]
وانظر في الحديث الأول بعد المائة. والخامس بعد المائة.
هكذا نرى الحافظ ابن حجر يجيب بما سبق، وخلاصته: أنه يرى أن الإمام البخاري كان يشرح في مواضع من الصحيح علل الحديث، أو يلفت الانتباه إليها، لمناسبة علمية، بدون أن ينص الإمام البخاري على التزامه به، ولا غرابة في ذلك فإنه من عادة النقاد في كتبهم، ومن يراجعها بإنصاف وتجرد فإنه يقر بذلك.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في فتاويه [3] :"وأجل ما يوجد في الصحة كتاب البخاري، وما فيه متن يعرف أنه غلط على الصاحب، لكن في بعض ألفاظ الحديث ما هو غلط، وقد بيّن البخاري في نفس صحيحه ما بين غلط ذلك الراوي، بين اختلاف الرواة في ثمن بعير جابر ..."
والذي يجب أن ننتبه إليه في هذه المناسبة أن الحافظ ابن حجر لما أجاب بذلك على تتبع الدارقطني لم يتهم بأنه جعل صحيح البخاري في مصاف كتب العلل! وذلك لأن شرح العلة إنما هو في مواضع من الكتاب الصحيح عند ذكر الأخبار المعللة، ولا يتعارض مع موضوعه الأصلي الذي من أجله صنف ذلك الكتاب، كما لا يتعارض معه ذكر الأحاديث المعلقة في تضاعيف الكتاب الذي وضع لذكر الأحاديث المسندة المتصلة الصحيحة. والحافظ ابن حجر لم يكن يدعي أن البخاري قد يأتي بأبواب لذكر هذه الأنواع من الأحاديث المعلقة، ثم يعتمد عليها. وإن كان هذا الصنيع مسلما لدى الجميع دون اعتراض على ذلك فإن شرح العلل ينبغي أن يكون كذلك أيضا، فما يجاب به على وجود أحاديث معلقة في الصحيح يكون جوابا بذاته ع شرح العلل فيه استطرادا.
ولم يدع أحد أن الإمام مسلما كان يفرد في كتابه الصحيح بابا من أبوابه لشرح العلل، وإنما يأتي بها فقط استطرادا ضمن أحاديث الباب بعد أن صدره بالحديث الصحيح. لذا، لا يشكل شرح ذلك في مواضع من الصحيح عند ذكر الأخبار المعللة تناقضا مع موضوع الكتاب، ولا يلزم من هذا الصنيع الحط من هذا الكتاب الذي نعتقده من أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه، وجعله في مصاف كتب العلل.
هذا هو الواقع الذي كنت أصرح به في أثناء الحوار. وبعد ذلك فلا مبرر لأحد كائنا من كان أن يتهمني بخلاف ذلك.
وإذا كان الأستاذ قد وجه إلي تساؤلاته السابقة بحجة أني قلت إن الإمام مسلما قد شرح علة الحديث في صحيحه، فإنه يلزمه توجيه التهم نحو الحافظ ابن حجر وغيره ممن أجابوا بذلك في أكثر من موطن.
(1) - ص: 376، الحديث الثاني و الثمانون. لم يعلق عليه الأستاذ.
(2) - ص: 380، الحديث السادس و التسعون. لم يعلق عليه الأستاذ.
(3) - مجموع الفتاوى 18/ 73