المغالطة الثالثة: أن القاضي عياض لم يستقر على رأيه، بل نسي ما قرره
وأما قول الأستاذ: '' بل القاضي عياض كثيرا ما يجاري الدارقطني في انتقاده لمسلم، ويقوم بتأييده فيما يبدو له من علل، ومعنى هذا أن القاضي عياضا ينسى ما قرره من أن مسلما التزم بيان العلل وشرحها ... ولايتسع المقام لمتابعة القاضي عياض، فإن الأمثلة كثيرة والإشارة إلى بعضها تكفي طالب الحق''.
قلت: إن كلام الأستاذ غريب فعلا، لماذا يُلزم القاضي أن يجيب عن انتقادات الدارقطني بما نقله الأستاذ عنه بمجرد أنه قد أجاب به في بعض المواضع حسب نوعية الإشكال؟!
إن العاقل يفهم جيدا أن الإجابة عن الإشكالات ينبغي أن تكون بما تقتضيه نوعيتها، وليس من العقل أن يُنتظر من القاضي في كل موضع انتقد فيه الدارقطني الإمام مسلما أن يرد عليه بالجواب نفسه الذي أجاب به في بعض المواضع حسب الإشكال.
لكي يتضح ذلك ننظر في المثالين الذين أتى بهما الشيخ ربيع قائلا إنهما يكفيان لطالب حق! ولأمانته العلمية أعرض عن ذكر الأمثلة التي تخالفه!.
المثال الأول هو ما رواه مسلم عن ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما، فقلت: يا رسول الله أعط فلانا فإنه مؤمن ... الحديث.
يقول الأستاذ:
''قال عياض: رحمه الله قال أبو مسعود الدمشقي: هذا الحديث إنما يرويه سفيان بن عيينة، عن معمر عن الزهري. قال الحميدي وسعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن الصباح الجرجرائي كلهم عن سفيان بن عيينة عن معمر عن الزهري بإسناده'' [1] .
(1) - قال مسلم في كتاب الإيمان، باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه .. 1/ 132
حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال قسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قسما فقلت: يا رسول الله أعط فلانا فإنه مؤمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو مسلم أقولها ثلاثا ويرددها علي ثلاثا أو مسلم. ثم قال: إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار.
حدثني زهير بن حرب حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطا وسعد جالس فيهم قال سعد فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من لم يعطه وهو أعجبهم إلي .. الحديث.
حدثنا الحسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد قالا حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب قال حدثني عامر بن سعد عن أبيه سعد أنه قال ثم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا جالس فيهم ... الحديث
وحدثنا الحسن الحلواني حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح عن إسماعيل بن محمد قال سمعت محمد بن سعد يحدث هذا فقال في حديثه فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده بين عنقي وكتفي ثم قال أقتالا؟! أي سعدُ، إني لأعطي الرجل.
قام الأستاذ بدراسة هذا الحديث ليبين أن مسلما لم يهتم بترتيب أسانيده، وشغب به في كتابه (التنكيل) ، سيأتي التعليق على دراسته في القسم الثاني من الكتاب (إن شاء الله تعالى) .