الصفحة 63 من 454

أتى الأستاذ بهذا المثال في رده الأول الذي أرسله إلي، وأعاده بشيء من التفصيل في كتابه (التنكيل) المليء بظلمات الأباطيل والأكاذيب، [1] ليبرهن على أن القاضي نسي ما فاوض به معاصريه؛ لأنه لم يجب هنا عن تتبع الدارقطني بأن مسلما لم يخرجه إلا لبيان العلة، وهذا دليل عنده أن القاضي نسي ما قرره فيما يخص منهج مسلم في شرح العلل.

وهذا الفهم من الأستاذ غريب جدا، لأن الإمام مسلما لم يذكر هنا إلا رواية واحدة عن ابن عيينة، ولو أورد عنه رواية أخرى تخالفها لكان ذلك شرحا للعلة. فإن شرح العلة لا يتم بذكر رواية واحدة، وإنما بذكر وجوه اختلاف الرواة. وعليه يكون الإمام مسلم قد أورد حديث ابن عيينة في صدر الباب على سبيل التصحيح والاستدلال، إذن لماذا نلزم القاضي أن يجيب هنا بأن مسلما أورد هذا الحديث لشرح العلة بناء على أنه قد أجاب بذلك في موطنه المناسب؟!

والجدير بالذكر أن المشكلة التي أثارها الإمام الدارقطني حول حديث ابن عيينة هي انقطاع سنده، لكنه لا يضر الإمام مسلما لكون الواسطة معروفة، وهي معمر بن راشد، ثم إن هذا الحديث مشهور عن الزهري، وأتى مسلم بروايات أخرى عنه بما يوافق رواية ابن عيينة، وأصبح الحديث صحيحا لا غبار عليه.

وأما المثال الثاني [2] فلا يختلف عن الأول، حيث إن الإمام مسلما لم يأت إلا برواية واحدة عن يزيد بن زريع، ولو كان يشرح علته لذكر ما يخالفه من الروايات عن يزيد بن زريع. وبما أنه (رحمه الله تعالى) لم يأت

(1) - ص: 117 - 119

(2) - هو حديث رواه الإمام مسلم من طريق محمد بن عبد الله بن بزيغ، حدثنا يزيد (يعني ابن زريع) ، حدثنا حميد الطويل، حدثنا بكر بن عبد الله المزني عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه، قال: تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتخلفت معه - وذكر قصة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم صلاة عبد الرحمن بن عوف إلى نهاية القصة قال الدار قطني: كذا قال ابن بزيغ، وخالفه غيره عن يزيد.

فرواه عنه على الصواب، عن حمزة عن المغيرة، فرواه حميد بن مسعدة وعمرو بن علي عن يزيد بن زريع على الصواب، وكذلك قال ابن أبي عدي عن حميد، فقال القاضي عياض فقد وهم.

يقول الأستاذ:

هذا موقف عياض (رحمه الله) مؤيدا للدار قطني في نقده للإمام مسلم فلو كان مسلم قد ساق هذا الحديث - كما يرى القاضي عياض - لبيان علته ولشرح تلك العلة وتوضيحها لوقف إلى جانب مسلم يدافع عنه قائلا لا حق لكم في انتقاده وأنه ما ش على منهجه الذي التزمه من الشرح والإيضاح للعلل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت