إلا برواية واحدة فلا يقال هنا إنه أورده لشرح العلة، ويمكن أن يكون مسلم يرى أن هذا الحديث صحيح بخلاف غيره من النقاد.
كأن الأستاذ فهم أن كل حديث منتقد من أحاديث صحيح مسلم يجب الإجابة عنه بأن مسلما أورده لشرح العلة، ولم يقل به أحد، لا القاضي ولا الشيخ مقبل ولا هذا العبد الضعيف. وإنما يجاب بذلك إذا وجدنا الإمام يذكر أوجه الاختلاف على الحديث فحسب.
وليس للأستاذ فيما ذكره دليل على أن القاضي نسي ما قرره، بل كان ذاكرا له، وكان يجيب به في مواطنه التي تقتضيه. ولا يلزمه أن يجيب به في جميع المواطن لكونه قد أجاب به في موطنه اللائق، وبالتالي لا يقال إن القاضي نسي أو تراجع عما قرره إذا لم نجده قد أجاب في جميع الأحاديث المنتقدة. ولذا أصبح فهم الأستاذ عجيبا وغريبا، والأغرب والأعجب من ذلك إلزام غيره أن يقبله منه، وإلا فهو ممن يهدم السنة في نظره.
قول الشيخ ربيع: '' وأظن أن الباحث خدع بقول القاضي عياض - رحمه الله - بأن مسلما قد التزم هذا الشرط ووفى به وهو شرح العلل وبيانها وإيضاحها. وهو قول قد خدعت به، وكنت معجبا به، ثم تبين لي أنه سراب وخيال، ولا يستطيع القاضي عياض ولا غيره أن يأتي بحجة واضحة صريحة من صحيح مسلم على تطبيق هذا الشرط الذي زعمه القاضي - رحمه الله -.''
قلت: هكذا يقول الأستاذ بكل تأكيد، متحديا القاضي عياضا الذي لم يخالفه أحد ممن خاطبه به أو وقف على رأيه من الأئمة اللاحقين، بل أقره الحافظ ابن حجر، وقبله الإمام النووي، وابن الصلاح وغيرهما.
وإذا كان الأستاذ قد أقر هنا أن القاضي يعتقد بوجود شرح العلل في صحيح مسلم وترتيب أحاديثه حسب الأصحية فإن التهم التي اتهمني بها من أجل تطبيق ذلك في حديث واحد تتوجه إلى القاضي وغيره ممن يقول ذلك. ومنهم أبو مسعود الدمشقي الذي تتبع أحاديث مسلم، والشيخ عبد الرحمن المعلمي والشيخ مقبل.
والأستاذ نظر في موضوع بيان العلة في صحيح مسلم وترتيب الأحاديث حسب الأصحية، ضمن عمله في رسالته للماجستير، فوجد في صحيح مسلم أمثلة تطبيقية لهما آن ذاك، وعلى هذه الأمثلة قامت رسالته للماجستير، وإلى جانب ذلك اهتم الأستاذ بسرد آراء العلماء في هذين الموضوعين؛ كالقاضي والنووي، تأكيدا على ذلك، ثم فجأة وجدنا الأستاذ يتراجع عنهما كما رأيت.
ولما أمعنت النظر في سبب تراجعه عما كان عليه سابقا لم أجد له مبررا علميا في ذلك؛ إذ أسلوبه في جميع دراساته لم يتغير ولم يتطور، كانت دراسته هنا وهناك قائمة على أحوال الرواة، ولم يستطع أن يضيف فيها شيئا جديدا إلا الشغب والشتم والسخرية. ولو تغير أسلوبه في الدراسة وتطور نظره لكان تراجعه معقولا وطبعيا جدا، كأن يكتشف شيئا جديدا في أثناء تتبعه الخاص بعد أن عجز عنه في مرحلة الماجستير ومرحلة الدكتوراه ومرحلة تدريس الطلاب في جميع مراحلهم.
وظل الأستاذ على اعتقاده بأن الإمام مسلما يشرح العلل في صحيحه إلى أن أوقعته في تناقضه العلمي، ولم يجد أمامه للخروج من هذا التناقض إلا سبيلين أحلاهما مر:
أ - الإقرار بالتناقض وتسليم الأمر لنقاد الحديث.