وهذا كثير. غير أنه لا يمنع الدارقطني عن تتبعه لهذا النوع من الأحاديث التي لم يكن قصدهما الاحتجاج بها، وبيان ما فيها من العلة؛ إذ هدف الإمام الدارقطني هو تتبع ما فيهما أو أحدهما سواء كان في الأصول أو خارجها، ولذلك لم يحجم عن تتبعه لما أورده مسلم في مقدمة صحيحه من الأحاديث المعللة، مع أن الإمام الدارقطني أدرى بأن الإمام مسلما لم يشترط في أحاديث المقدمة الصحة.
أو يكون الجواب ما قاله العلامة المعلمي (رحمه الله تعالى) :
'' .... بلى في كل منهما أحاديث يسيرة انتقدها بعض الحفاظ أو ينتقدها بعض الناس، و مرجع ذلك إما إلى اختلاف النظر، وإما إلى اصطلاح لهما يغفل عنه المنتقد، وإما إلى الخطأ الذي لا ينجو منه بشر '' [1] .
قال الإمام أبو الحسن القابسي (ت 403 هـ) : وقد يُخَرِّج مثل هذا (أي المنقطع و البلاغ) مع المسند من يقصد إلى ذكر اختلاف الألفاظ في الحديث الواحد, واضطراب الناقلين له , فيأتي به للتنبيه على الخلاف فيه. [2]
ومن مغالطاته أن يقول: ''هذا الفهم الذي فهمه الأخ حمزة من قول مسلم السابق غير مسلم وغير واقع في هذا الكتاب العظيم، وأبى الله عليه إلا أن يتربع قمة كتب السنة وأن يكون صنو أصح الكتب بعد كتاب الله، ألا وهو صحيح البخاري''.
أقول: رأينا هذا الفهم عند القاضي عياض وكل من فاوضه به من علماء عصره، ثم جاء العلماء بعده يطبقونه في الإجابة عن الإشكالات التي أثيرت حول صحيح مسلم، كالحافظ رشيد الدين العطار، أو يقرونه دون إنكار، ومن المعاصرين الشيخ مقبل. وأما قوله إن ذلك غير واقع في صحيح مسلم فعناد ومكابرة، لأنه لم يعتمد في ذلك على دراسة أحاديث صحيح مسلم على منهج المحدثين النقاد، ومنهم الإمام مسلم، وإنما درسها دراسة سطحية؛ حيث إنها لم تتجاوز ظاهر السند وأحوال الرواة ومراتبهم في الجرح والتعديل المبينة في تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر.
كما أن الأستاذ لم يقدر حتى الآن أن يذكر اسم عالم واحد من العلماء السابقين ينكر الترتيب، وبذلك أصبح هو وحيدا في رأيه.
ومن المغالطات أيضا قوله: ''ولو طبقنا عليه القاعدة لجاء في مؤخرة كتب السنة، بل لجاء في مصاف كتب العلل .... ومنهم من جعله في مستوى صحيح البخاري، ومنهم من يفضله عليه، ومنهم من يرى أنه التالي للبخاري نظرا لتشدد البخاري في شرطه''.
قلت: أظن الشيخ يريد بالقاعدة بيان العلة في الصحيح، وإن كان كذلك فأقول: إن التزام مسلم ببيان الاختلاف والعلة في صحيحه على نحو ما وعد به في مقدمته لا يتنافى مع موضوع كتابه، كما سبق بيانه، ولا مع كونه صنو صحيح البخاري.
(1) - الأنوار الكاشفة ص: 9
(2) - مقدمة رواية القابسي للموطأ ص 45. تحقيق الدكتور محمد علوي المالكي