غرائب الأستاذ وغوغائيته
سترى- إن شاء الله تعالى - في هذا الحوار بقسميه، غرائب كثيرة وعجائب جمة في موقف الأستاذ من الخصم، وتعامله مع النصوص التي ينقلها عنه وتفسيرها وفق ما يتخيله. أذكر هنا أنموذجين:
الأنموذج الأول: أنه يرد نصوصي الصريحة حول مسألة الترتيب وشرح العلل جازما بأنها لغو مائة في المائة، وأنها مخارج للهروب منها إذا أجبر على التأخر أو الخروج، وأنه لون من التحايل والتهرب، وأساليب الصوفية وما تتذرع به من تقية ومثلها الألاعيب السياسية التي تحتاج إلى ذكاء وفطنة وحذر ويجب أن يكون التعامل معها على هذا الأساس [1] ليتقول علي بقوله:
''إن الرجل يؤمن بقضية الترتيب والتقديم والتأخير في صحيح مسلم وأن بيان العلل إنما يأتي من خلال هذا الترتيب والتقديم والتأخير، يؤمن بذلك إيمانا أعمى .. وليس هذا مني من باب سوء الظن ولا من باب الاتهامات التي لا تستندها الأدلة، بل هذا من صريح كلامه ومن مواقفه ومن رفضه التخلي عن هذا الفكر الخطير''. [2]
أقول: لا أدري مما أتعجب: من قدرته على تضليل الحقائق؟! أم من جرأته عليه؟!
لماذا يدعو الناس إلى ترك ما نص عليه محاوره، وقبول ما كان يفتريه عليه؟!
وقد سبق في مستهل هذا المحور تلخيص الموضوع الذي كتبته للأستاذ قبل بدء الحوار، وليس فيما كتبته شيء يفهم منه أن الترتيب وسيلة لبيان العلل وشرحها في الصحيح، ولعل الأستاذ يريد بقوله (بل هذا من صريح كلامه) ما وقع في سياق كلامي، وهو:
''فإذا أخر مسلم إسنادا كان يصدر به الأبواب عادة فمعناه أنه وجد فيه شيئا جعله يؤخره''.
كلامي هذا واضح بمنطوقه ومفهومه وسياقه: أن الإمام مسلما يرتب الأحاديث في تضاعيف كتابه، ويقدم الأصح فالأصح حسب وجود الخصائص الإسنادية واللطائف الحديثية، وما ذكره في آخر الباب من الأحاديث تكون عنده أقل صحة لسبب علمي، وهو أعم من أن يكون الحديث معلولا، ولذلك قلت متعمدا:
''فمعناه أنه وجد فيه شيئا جعله يؤخره''.
هذا - كما ترى - فيه إطلاق للسبب الذي من أجله يؤخر مسلم ما كان يصدر به الأبواب عادة ليشمل جميع الأسباب: العلة والغرابة والنزول والاختلاف والتصرف في المتون وغيرها مما يخص علم الإسناد وفقه المتن.
غير أن الأستاذ جاء هنا ليفهم من كلمة (شيئا) أنها العلة، بناء على ما قلته في سبب تأخير حديث ابن عمر في آخر الباب. وهو في الواقع مثال لنوع واحد من الأسباب التي من أجلها تؤخر الأحاديث.
(1) - منهج مسلم، ص: 20 - 21
(2) - المصدر السابق، ص: 20