وأخيرا أود أن أصرح للقارئ الكريم أن ما عمله الأستاذ في هذا المجال زور وبهتان وظلم وتحريف، ويعلم الجميع بداهة أن ذلك محرم شرعا. وكان ينبغي له أن يكون قدوة للآخرين في قبول الحق والتراجع عن الخطأ واحترام المحاور، والتواضع للحق. أما أن يصر على الخطأ، ويهيم في كل واد ليصحح ذلك الخطأ أو ليخفيه عن أعين الناس أمر غير لائق بالمسلمين، فضلا عن الدعاة.
الأنموذج الثاني للغوغائية
كان الأستاذ يحمل النصوص على غير محملها ليفهم منها ما يريده، ثم يجعل ذلك أمرا واقعيا يستند إليه في الاتهام والاستهزاء. فقد نقل الأستاذ من كلامي الآتي:
''قال المليباري: لما وعد الإمام مسلم في المقدمة أن يضع طرق الحديث في موضعها، وقد وضعها في موضعها فعلا، فإذا رأينا المخالفة في الترتيب في الظاهر فينبغي لنا أن نعرف أن مسلما قد أدرك شيئا دفعه إلى ذلك، وهذا هو الذي وقع هنا في رواية أيوب، وأنه كان من العادة أن يقدم رواية معمر عن أيوب، (على رواية) أهل القسم الثاني [1] .
وعلى هذا إذا ذكرها عقب رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فيفيد أن معمرا عنده الوجهان لهذا الحديث، كما أفاد هنا بذكر رواية الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة عقب رواية معمر عن الزهري عن سعيد أن الزهري يرويه من الوجهين الصحيحين.
ومثل هذا في بعض مواضع صحيح مسلم. انظر مثلا حديث الأعمش (17/ 144) من صحيح مسلم مع شرح النووي''
أقول: إن سياق هذا الكلام واضح، وأن الإشارة في الفقرة الأخيرة (ومثل هذا) ترجع إلى ما سبق في السياق، وهو إفادة صحة الوجهين عن الزهري من خلال ذكر حديثه عن أبي سلمة عقب حديث الزهري عن سعيد.
يعني لو كان حديث معمر عن أيوب صحيحا لذكره عقب حديث معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ليفيد أن معمرا له روايتان صحيحتان في هذا الحديث، واحدة عن الزهري عن سعيد، والثانية عن أيوب عن نافع عن ابن عمر. غير أن مسلما لم يفعل ذلك، بل أورد حديث معمر عن أيوب بعد ذكر حديث أهل القسم الثاني.
وبهذا يكون التمثيل بحديث الأعمش إنما هو لإفادة صحة الروايتين عن معمر لو ذكر مسلم كلا منهما عقب الآخر، كما أفاد مسلم بهذا الصنيع في حديث الأعمش صحة روايته عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود، وروايته عن مجاهد عن ابن عمر حين أورد الثانية عقب الأولى.
(1) - أعني به: يقدم الإمام مسلم رواية معمر عن أيوب أولا، ثم رواية أهل القسم الثاني، وهي عادة مسلم في صحيحه، أما هنا فقد خالف العادة فذكر رواية معمر عن أيوب بعد رواية أهل القسم الثاني، ولما تتبعنا نصوص النقاد وجدنا الإمام الدارقطني في كتابه التتبع يوضح علة حديث معمر عن أيوب، وبهذا تبينت دقة مسلم في ترتيب أحاديثه في الصحيح، حيث لم يضع هذا الحديث في أول الباب عقب حديث معمر عن الزهري، وإنما وضعه بعد حديث أهل القسم الثاني من الرواة.