الصفحة 82 من 454

وما ذكرته في أوراقي الأولى إنما هو بناء على ظني أن السند سليم من التصحيف، لكن بعد ثبوت هذا التصحيف فإني أتراجع عن كلامي الأول، ولا أدافع عنه، ومع ذلك فإن أصل المسألة التي تشكل موضوع الحوار لم يتغير بهذا التراجع.

وعلى كل ينبغي في هذه المناسبة أن أشرح ملابسات هذا الموضوع لكونه من أهم النقاط العلمية التي تخبط فيها الشيخ، لبعده عن منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتعليل.

والإمام مسلم إذ أورد حديث ابن عمر في أواخر الباب تطرق لبيان الاختلاف على نافع، وخلاصته: يرويه بعض الثقات عن نافع عن ابن عمر، ويرويه آخرون عنه عن إبراهيم عن ميمونة. وبهذا أصبح الإمام مسلم قد جمع هذه الروايات المختلفة في صحيحه لبيان علتها على وجه الاستطراد، بعد أن اعتمد على حديث أبي هريرة في الموضوع نفسه، وصدر به الباب.

ومن هذه الروايات المختلفة على نافع رواية الليث. وبما أن الأستاذ أثار مشكلة جديدة في حديث الليث عن نافع فإن تحقيق الأمر فيها وتدقيقه أصبح ضروريا الآن. ولذا، أقول: إن خلاصة موقف النقاد تجاه حديث الليث هي:

أن الليث إنما روى عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن ميمونة، أما ابن جريج فقد اختلف عليه على وجهين؛ قال بعضهم عنه عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن ميمونة، وقال آخر: عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ابن عباس عن ميمونة.

يعني بذلك: هل روى ابن عباس هذا الحديث عن ميمونة أم رواه إبراهيم عنها، وابن عباس ليس له ناقة في هذا الحديث ولا جمل؟!

إذا كانت رواية الليث عن إبراهيم عن ميمونة متفقة في جميع الروايات عنه، لكن نسخ صحيح مسلم لم تكن متفقة على شكل واحد، بل اختلف النساخ فيها؛ ففي بعضها ذكر ابن عباس راويا عن ميمونة، وفي أخرى ذكر عباس ضمن أجداد إبراهيم.

والاختلاف بين النسخ غير الاختلاف بين رواة الحديث.

فما يقع في النسخ من اختلاف فلا صلة له برواة الحديث، فإن المحدث قد روى على وجه معين، ثم جاء بعد ذلك النساخ فاختلفوا فيما رواه ذلك المحدث في كتابه عند نسخهم له. فإذا تبين من خلال القرائن أن الراوي لم يرو إلا من وجه واحد، - وهو المعروف لدى الحفاظ - فالذي وقع في النسخ خلاف ذلك يتعين أن يكون خطأ؛ إما من المؤلف وإما من الناسخ. هذا أمر بدهي يعرفه أهل العلم.

إلا أن الأستاذ جاء هنا ليخلط بين هذين الأمرين، وجعل اختلاف النساخ ملازما لاختلاف رواة الحديث، و في ضوء ذلك جاء كلامه في الحوار.

ولا ينبغي له أن يخلط بينهما؛ فإن لكل منهما ما يقتضيه بطبيعته من القواعد والأساليب.

والإمام مسلم إذ أورد هنا في صحيحه حديث نافع، بعد اعتماد حديث أبي هريرة، أراد أن يشرح ما فيه من العلة؛ فذكر طرفي الاختلاف، وهما:

1 -رواية عبيد الله وموسى الجهني وأيوب عن نافع عن ابن عمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت