لندع هذه الأساليب الجاهلية، ونحن في الحوار العلمي المفيد الذي يجب علينا أن نتأدب به تواضعا لله تعالى، من أجل تمييز الحق من الباطل، ونكون جميعا مأجورين في ذلك؛ سواء أخطأت أنا أم كان هو من المخطئين الواهمين، فإن كُلا منا يكون سببا لظهور الحق أمام القراء، لكن يكون ذلك حسب النية والاجتهاد.
وأما إذا ظهر التلفيق والتلبيس والتوهيم والشغب وتجاوز الحدود في إطلاق الدعاوى من أحد أطراف الحوار ضد الطرف الثاني وحاول أن يوهم القراء أنه منحرف وصاحب أفكار باطلة، مزينا لجانبه ومزكيا لنفسه، فإنه يكون قد ضيع بهذا التصرف الأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى، وإن كان مخطئا فالأمر أخطر لأنه سعى لإخفاء الحق وإظهار الباطل.
وعلى كل ففيما يأتي توضيح المسألة التي نحن بصددها بشيء من التفصيل:
إن الذي وقع في نسخة صحيح مسلم التي نتداولها هو:
'' ... عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ابن عباس عن ميمونة .. ''
وهو تصحيف واضح، وإن كان رأي الإمام المزي في تحفة الأشراف غير ذلك، إذ لا يرى ذلك تصحيفا. واعتمده الأستاذ ليقول جازما: إن الليث روى هذا الحديث عن إبراهيم عن ابن عباس عن ميمونة.
وهذه غفلة شديدة من الأستاذ إذ جعل المسألة متصلة باختلاف الرواة على الليث، وليس الأمر كذلك، بل هي من اختلاف النساخ على ما وقع في صحيح مسلم، وأما الليث فقد روى الحديث عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة، بدون ابن عباس شيخا لإبراهيم. وهذا التصحيف أدى إلى غلط كبير، وهو إدراج عبد الله بن عباس في رواية هذا الحديث، وليس له صلة برواية هذا الحديث. وحسب الرواية الصحيحة يكون الذي ورد ذكره في السند هو جد إبراهيم: معبد بن عباس وهو غير ابن عباس المشهور، كما ستتجلى دقة النقاد في فهم ما يتصل بالأسانيد ونقدها، من الفقرات الآتية.
رأي الحافظ المزي حول هذا الإسناد في صحيح مسلم وغيره من الكتب
أولا: أنقل ما قاله الحافظ المزي (رحمه الله) في تحفة الأشراف 12/ 484 - 486، وهذا نصه كاملا: